افتتاحية التنمية برس

اليمن بين مطرقة الغلاء وسندان العجز الحكومي.. إلى أين يمضي المواطن.؟

التنمية برس ■ ✍️ كتب/ رئيس التحرير:

 

  • لم يعد الحديث عن تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن مجرد توصيف لواقع مأزوم، بل أصبح عنواناً يومياً لحياة ملايين من المواطنين في الداخل والخارج والذين يواجهون تحديات متصاعدة تتجاوز قدرتهم على الاحتمال والصمود. وبينما تشهد أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية ارتفاعات متواصلة وغير مبررة في كثير من الأحيان، يقف المواطن اليمني عاجزاً أمام موجة الغلاء التي تلتهم ما تبقى من دخله المحدود، في وقت لم تنعكس فيه حالة الاستقرار النسبي لأسعار صرف العملات الأجنبية أمام الريال اليمني على الأسواق المحلية بالشكل الذي ينتظره الجميع.

ولقد كان المواطن يأمل أن يسهم تحرير سعر الدولار الجمركي والإجراءات الاقتصادية المعلنة في تخفيف الأعباء المعيشية والحد من ارتفاع الأسعار، غير أن الواقع كشف استمرار الفجوة الكبيرة بين السياسات الاقتصادية المعلنة وبين انعكاساتها الفعلية على حياة الناس. فما تزال أسعار السلع الأساسية والغذائية والاستهلاكية في مستويات مرتفعة، بينما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن يوماً بعد آخر.

ففي الوقت الذي تشهد فيه أسعار صرف العملات الأجنبية حالة من الاستقرار النسبي أمام الريال اليمني خلال الأشهر الأخيرة، يفاجأ المواطنون باستمرار موجات الارتفاع المتسارع في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية والسلع الأساسية، بصورة تثير الكثير من التساؤلات حول أسباب هذا التناقض الصارخ بين واقع السوق ومتغيرات سعر الصرف، خصوصاً بعد قرار تحرير سعر الدولار الجمركي وما ترتب عليه من انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على أسعار السلع والخدمات.

ومع كل ارتفاع جديد في الأسعار، تتسع دائرة المعاناة الإنسانية والاجتماعية، خاصة في أوساط موظفي الدولة والمتقاعدين الذين أصبحت رواتبهم الشهرية أشبه بمبالغ رمزية لا تكفي لتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة. 

وتبرز معاناة موظفي الدولة والمتقاعدين بوصفها إحدى أكثر القضايا إلحاحاً وإيلاماً. فمرتبات الموظفين المربوطة بالمالية العامة للدولة لم تعد قادرة على توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، في حين أصبح راتب المتقاعد الشهري عاجزاً حتى عن شراء سلة غذائية متوسطة أو سداد إيجار منزل أو الوفاء بالالتزامات المالية المتراكمة عليه. وهذه التحديات في حقيقة الأمر أصبحت معادلة قاسية يدفع ثمنها المواطن البسيط الذي يجد نفسه وحيداً في مواجهة أزمات متلاحقة دون وجود حلول جادة ومستدامة.

 

وفي المقابل، لا يزال الشارع اليمني يطرح تساؤلات مشروعة حول أسباب استمرار التدهور الاقتصادي والاجتماعي رغم ما تمتلكه الدولة من موارد سيادية وإيرادات عامة كان بالإمكان توظيفها بصورة أكثر كفاءة وشفافية لتحسين الخدمات الأساسية، ودعم الاستقرار الاقتصادي، وتخفيف الأعباء عن المواطنين. فالمشكلة لم تعد في ندرة الحلول بقدر ما أصبحت في غياب الإرادة الحقيقية لتنفيذها وتحويلها إلى واقع ملموس يشعر به الناس في حياتهم اليومية.

وتماشياً مع ما تم ذكره.. فإن حالة التراجع المستمرة في الخدمات العامة تمثل وجهاً آخر للأزمة الوطنية الراهنة. فالكهرباء ما تزال تشكل هاجساً يومياً للأسر اليمنية في ظل ساعات انقطاع طويلة وارتفاع درجات الحرارة، بينما يعاني القطاع الصحي من نقص الإمكانات وتراجع مستوى الخدمات، ويواجه قطاع التعليم تحديات متراكمة تهدد مستقبل الأجيال القادمة. وإلى جانب ذلك، تستمر أسعار المشتقات النفطية في إثقال كاهل المواطنين والقطاع الخاص على حد سواء، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات المختلفة، إضافة ال ذلك أصبحت تتزايد حالة الإحباط الشعبي تجاه الأداء العام لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة، في ظل غياب الإنجازات الملموسة التي يمكن أن تشكل فارقاً حقيقياً في حياة المواطنين أو تبعث برسائل طمأنة للمجتمع المنهك اقتصادياً واجتماعياً.

ومن أخطر المؤشرات التي تستحق الوقوف أمامها بجدية، ذلك التزايد الملحوظ في رغبة الشباب في بلادنا بالهجرة والاغتراب والبحث عن فرص حياة أفضل خارج الوطن. ففقدان الأمل في إيجاد فرص عمل مستقرة، وتراجع مستوى الخدمات، وضبابية المستقبل الاقتصادي، كلها عوامل تدفع آلاف الشباب إلى مغادرة بلادهم بحثاً عن الأمن الوظيفي والاستقرار المعيشي وتحقيق أحلامهم في بيئات أكثر قدرة على احتضان طموحاتهم. وهذه الأوضاع من المؤسف أنها تمثل خسارة وطنية حقيقية لا تقتصر على نزيف الكفاءات البشرية فحسب، بل تمتد آثارها إلى حركة التنمية وإعادة البناء.

 

وبناءً على ذلك فإن استمرار الأوضاع الراهنة دون تدخلات اقتصادية وإدارية حقيقية سيؤدي إلى تعميق الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وسيضاعف من حجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية خلال المرحلة المقبلة. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية والخدمية، وإطلاق حزمة إصلاحات جادة تبدأ بضبط الأسواق والرقابة على الأسعار، وتحسين مستوى الدخل، وإعادة هيكلة الإنفاق العام بما يخدم أولويات المواطنين، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد العامة، وتحسين خدمات الكهرباء والصحة والتعليم والاتصالات والطرقات، وخلق فرص عمل حقيقية للشباب.

واستناداً إلى ما سبق فإن مسؤولية معالجة هذه الأزمات والمعوقات تقع اليوم على عاتق مجلس القيادة الرئاسي والحكومة والسلطات المعنية كافة، ليس من خلال التصريحات والوعود الإعلامية، بل عبر قرارات وإجراءات عملية تلامس حياة الناس وتعيد الثقة بالمؤسسات العامة. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات ولا بالكلام الغير مجدي، وإنما بالإدارة الرشيدة والعدالة الاقتصادية والتنمية المستدامة التي تضع الإنسان في صدارة الأولويات.

 

ويبقى السؤال الذي ينتظر الشعب إجابته: إلى متى سيظل المواطن يتحمل وحده فاتورة الأزمات المتراكمة؟ ومتى تتحول الموارد والإمكانات المتاحة إلى مشاريع وخدمات وفرص تنعكس على حياة الناس وتعيد لهم الأمل بمستقبل أكثر استقراراً وكرامة؟

ومن خلال هذه الخلاصة فاليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات، بل إلى قرارات جريئة، وإرادة حقيقية، ورؤية اقتصادية وتنموية واضحة تعيد الثقة للمواطن وتضع البلاد على طريق التعافي والاستقرار.

وبطبيعة الحال فإن إنقاذ معيشة المواطن اليمني لم يعد خياراً قابلاً للتأجيل، بل أصبح ضرورة وطنية عاجلة، فالأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما تبنى بالعمل والعدالة والتنمية وحماية كرامة الإنسان.

وما لم يتم التحرك سريعاً لمعالجة جذور الأزمات الاقتصادية والخدمية والتنموية، فإن كلفة التأخير ستكون أكبر بكثير من كلفة الإصلاح، وستكون تداعياتها على المجتمع والدولة أكثر قسوة مما يتوقعه الجميع. 

تطبيق "قروشي" يطلق ميزة "الحصالة".. ادخار ذكي يحول أحلامك إلى واقع


ميناء عدن يستقبل سفير اليابان: زيارة رفيعة المستوى تسلط الضوء على الشراكة القوية والتقدم في مشاريع البنية التحتية الحيوية


برئاسة محافظي البنك المركزي المصري واليمني البنك المركزي المصري يستضيف لقاء مصرفياً بين البنوك المصرية واليمنية لبحث تعزيز التعاون المشترك


محافظ البنك المركزي اليمني يلتقي رئيس وأعضاء مجلس إدارة البنك اليمني للإنشاء والتعمير