اليمن بين مطرقة الغلاء وسندان العجز الحكومي.. إلى أين يمضي المواطن.؟
لم يعد الحديث عن تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن مجرد توصيف لواقع مأزوم، بل أصبح ع...
- في الوقت الذي تواجه فيه اليمن تحديات اقتصادية غير مسبوقة، وتزداد فيه الحاجة إلى تعزيز الموارد الوطنية وتقليص الاعتماد على الخارج، تبرز شركة مصافي عدن باعتبارها واحدة من أهم المؤسسات الاقتصادية والاستراتيجية القادرة على إحداث تحول حقيقي في مسار الاقتصاد الوطني إذا ما أُعيد تشغيلها بكامل طاقتها الإنتاجية.
إن الحديث عن مصفاة عدن ووهج شعلتها الحيوية لا يقتصر على منشأة صناعية لتكرير النفط، وإنما يمتد إلى منظومة اقتصادية متكاملة أسهمت لعقود في دعم التنمية، وتأمين احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية، وتموين السفن والبواخر بالوقود، وإنتاج مادة الأسفلت اللازمة لتنفيذ مشاريع الطرق، فضلاً عن رفد الخزينة العامة للدولة بعوائد اقتصادية مهمة بالعملة الصعبة، وتعزيز مكانة ميناء عدن كمركز إقليمي للخدمات النفطية والبحرية.
غير أن سنوات التوقف الطويلة عن نشاط التكرير تركت آثاراً عميقة على الشركة والعاملين فيها وذلك نظراً لاستمرار النزاعات السياسية والمشاكل الإقتصادية التي أكلت الأخضر واليابس. فقد انحصر نشاطها خلال الأعوام الماضية في تخزين المشتقات النفطية، الأمر الذي أدى إلى تراجع مواردها المالية المحلية والأجنبية، وانعكس بصورة مباشرة على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وفي مقدمتها صرف رواتب الموظفين بصورة منتظمة، وهو واقع مؤلم يعيشه الكثير من العاملين الذين ظلوا متمسكين بمؤسستهم رغم الظروف الاستثنائية.
ونتيجة لذلك فإن استمرار هذا الوضع لا يمثل خسارة للمصفاة وحدها، بل خسارة للاقتصاد الوطني بأكمله، لأن كل يوم تتوقف فيه المصفاة عن أداء دورها الإنتاجي يعني استمرار الاعتماد على استيراد المشتقات النفطية، واستنزاف المزيد من النقد الأجنبي، وارتفاع كلفة النقل والإنتاج، وتأخر تنفيذ مشاريع البنية التحتية نتيجة نقص مادة الأسفلت، فضلاً عن ضياع فرص استثمارية وتشغيلية كبيرة.
وفي المقابل، فإن المؤشرات الحالية تبعث على التفاؤل. فقد جاء تعيين المهندس/ "سعيد محمد بن محمد" مديراً عاماً تنفيذياً لشركة مصافي عدن بقرار من وزير النفط والمعادن في توقيت بالغ الأهمية، حيث يقود مع فريق العمل من الكفاءات الوطنية جهوداً متواصلة لإعادة تشغيل المصفاة، واستكمال مشروع محطة الطاقة المتعثرة، ومعالجة النقص في الكوادر الفنية والهندسية، وتهيئة البنية التشغيلية لعودة النشاط الإنتاجي بصورة تدريجية.
غير أن هذه الجهود، مهما بلغت جديتها، تحتاج إلى إرادة حكومية داعمة ومن مجلس القيادة الرئاسي على وجه الخصوص، وتمويل كافٍ، وشراكات فنية واستثمارية، وخطة وطنية واضحة لإعادة تأهيل وحدات التكرير وتحديث أنظمتها وفق أحدث المعايير، بما يضمن استدامة التشغيل ورفع الكفاءة الإنتاجية.
وبناء على ذلك فإن إعادة تشغيل مصفاة عدن ستفتح آفاقاً واسعة أمام الاقتصاد اليمني، وستحقق جملة من المكاسب الوطنية، من أبرزها:
- تعزيز الأمن الطاقي وتقليل الاعتماد على استيراد المشتقات النفطية.
- تأمين احتياجات السوق المحلية من الوقود بصورة أكثر استقراراً.
- إعادة إنتاج مادة الأسفلت لدعم مشاريع الطرق والبنية التحتية.
- استعادة نشاط تموين السفن والبواخر، بما يعزز تنافسية ميناء عدن كمركز بحري ولوجستي.
- توفير فرص عمل جديدة، وتأهيل الكوادر الوطنية، وتحسين أوضاع الموظفين.
- تنشيط الحركة التجارية والاستثمارية، وزيادة الإيرادات العامة، وتحفيز النمو الاقتصادي.
ومن هنا، فإن إعادة تشغيل المصفاة ينبغي ألا تُنظر إليها كمشروع فني أو تشغيلي فحسب، بل كمشروع سيادي واستراتيجي يرتبط بالأمن الاقتصادي والتنمية المستدامة. فالدول التي تمتلك مواردها الإنتاجية وتستثمرها بكفاءة تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
واستناداً إلى ما سبق فإن مصفاة عدن تمتلك تاريخاً عريقاً منذ حقبة الاستعمار البريطاني انذاك في عدن، وبنية تحتية يمكن تطويرها، وكوادر وطنية تمتلك الخبرة والإرادة. وما تحتاجه اليوم هو تكاتف الجميع؛ الرئاسة اليمنية والحكومة، ووزارة النفط والمعادن، والسلطات المحلية، والقطاع الخاص، والشركاء التنمويون، لإنقاذ هذا الصرح الوطني وإعادته إلى موقعه الطبيعي في قيادة التنمية الاقتصادية.
واستخلاصاً لما سبق ذكره فإن مستقبل الاقتصاد المحلي لا يُبنى بالحلول المؤقتة، وإنما بإحياء المؤسسات الإنتاجية الوطنية، وفي مقدمتها مصفاة عدن. فكل خطوة تُنجز في طريق إعادة تشغيلها هي خطوة نحو تعزيز الأمن الطاقي، وتحسين معيشة المواطنين، وخلق فرص العمل، واستعادة ثقة المستثمرين، وترسيخ مكانة عدن كعاصمة اقتصادية وتجارية وبحرية لليمن.
ولعل المرحلة الحالية تمثل فرصة تاريخية يجب عدم التفريط بها، حتى تستعيد مصفاة عدن دورها الريادي، وتعود من جديد قلعةً للصناعة النفطية، ومحركاً للتنمية، ورمزاً لقدرة الشعب على إعادة بناء مؤسساته الوطنية وصناعة مستقبله بأيديهم.
وختاماً يبقى الأمل معقوداً على أن تتحول الخطط الحالية إلى واقع ملموس، وأن تحظى الإدارة الجديدة بالدعم اللازم لإنجاز هذه المهمة الوطنية، ولأن نجاح مصافي عدن في العودة إلى العمل لن يكون نجاحاً لشركة حكومية بعينها، بل سيكون نجاحاً للاقتصاد الوطني بأكمله وخطوة مهمة نحو استعادة نشاط التنمية والإنتاج وبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً مهما كانت الظروف والتحديات.
