في الأضواء
وسط عجز رئاسي وحكومي في توفير الطاقة.. عدن تغلي تحت وطأة الحرارة والرطوبة.. وسكانها يعيشون جحيماً بإنقطاع الكهرباء 20 ساعة يومياً
- منذ أسابيع وأشهر متتالية من العام الجاري 2026، تغرق العاصمة اليمنية المؤقتة عدن في ظلام دامس يمتد لنحو 20 ساعة يومياً مقابل 4 ساعات تشغيل باليوم فترتين ساعتين بساعتين!، فيما تتحول حياة المواطنين إلى جحيم حقيقي بفعل موجة حارة استثنائية تتجاوز فيها درجة الحرارة 47 درجة مئوية، تقترن برطوبة قاتلة تجاوزت 75%، في وقت تقف فيه الحكومة موقف المتفرج العاجز الفاشل في توفير أبسط الخدمات التنموية للمواطنين ومن ضمنها قطاع الكهرباء.
ويعيش سكان المدينة المكتظة بسكانها والنازحين من محافظات اليمن، أسوأ صيف في سنوات ما بعد الحرب 2015، حيث يتحول غياب التيار الكهربائي الحكومي إلى روتين يومي مدمّر، تتفاقم آثاره مع كل ساعة تمر دون كهرباء، في غياب تام لأي حلول مستدامة أو استراتيجية تعيد للحياة ألقها.
جحيم الرطوبة والحرارة داخل المنازل
"المنزل صار فرناً لا يطاق".. هكذا يصف المواطن أبو بكر سمير عباس (45 عاماً)، أب لخمسة أطفال، معاناته اليومية. ويضيف لـ"التنمية برس": "ننام على السطح، والرطوبة تخنق الأنفاس، والأطفال لا يستطيعون النوم من شدة الحر. زوجتي مريضة بالسكر، والأنسولين في الثلاجة يفسد بسبب الانقطاعات الطويلة، وكلما اشتكينا للمؤسسة العامة للكهرباء قالوا لنا انتظروا".
وتتحول المأساة إلى مقتل يومي للمرضى المصابين بأمراض ضغط الدم والسكر والقولون العصبي وبالتحديد من كبار السن ، خصوصاً أولئك الذين يعتمدون على أجهزة طبية كأجهزة التنفس أو غسيل الكلى، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الموت أو البحث عن منظومة طاقة شمسية باهظة الثمن لا يملكها معظمهم.
ويشير مراقبون في الشأن المجتمعي إلى أن المواد الغذائية القابلة للتلف تُرمى يومياً في حاويات القمامة، بعد أن تفسد داخل الثلاجات نتيجة غياب الكهرباء لساعات طويلة، في مشهد يزيد معاناة أسر كانت تعيش أصلاً تحت خط الفقر.
غياب المسؤولية.. ووعود تبخرت
في المقابل، يعلو غبار الإحباط من أداء الحكومة برئاسة رئيس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني ومسؤولي قطاع الكهرباء بين وزير ومدير عام، الذين اكتفوا بإصدار بيانات دورية تتحدث عن "أعطال فنية" أو "نقص الوقود في إمدادات المحطات الكهربائية بالمشتقات النفطية"، دون أن يلمس المواطن أي تحرك جاد على الأرض.
ويقول ناشطون في المدينة إن "الشعور بالمسؤولية غائب تماماً لدى القائمين على القطاع الكهربائي، فمن غير المعقول أن تستمر المعاناة لسنوات من دون حلول جذرية، ويكتفي المسؤولون بتصريحات إنشائية كلما اشتعل الغضب الشعبي".
مصدر حكومي رفض الكشف عن هويته، قال في تصريح لـ"التنمية برس" إن "الظروف القاهرة هي السبب، ونحن نعمل على توفير الوقود لإعادة تشغيل المحطات الكهربائية قريباً". وهو التصريح الذي استقبله المواطنون بسخرية مريرة، بعد أن تكرر مئات المرات دون أي نتائج.
فشل استراتيجي بامتياز
ويرى خبراء طاقة أن ما تعيشه عدن ليس مجرد أزمة تقنية عابرة، بل "فشل ذريع في التخطيط الاستراتيجي"، إذ لا توجد رؤية واضحة لتأهيل شبكة النقل والتوزيع المهترئة، ولا مشاريع جديدة للوليد الكهربائي الحكومي، ولا خطط جادة للاستفادة من الطاقات المتجددة، خصوصاً الطاقة الشمسية التي باتت حاجة ملحة في عاصمة تشهد أشعة شمس طوال العام.
فبدلاً من حلول جذرية، لا يزال المواطنون رهينة مولدات الأحياء الخاصة التي تفرض رسوماً جشعة، أو يلجأون على منظومة الطاقة الشمسية التجميعية التي لا تتحمل تكلفتها الأسر الفقيرة والمتوسطة.
المواطنون: نريد أبسط الحقوق الخدمية
وفي حديث مع عدد من المواطنين، يتكرر المطلب نفسه: "نريد كهرباء مثل أي إنسان في العالم، لا نريد منحاً أو صدقات من أشقاء أو دول أخرى". وقال أحمد حسن جميل، وهو موظف حكومي، لـ"التنمية برس": "المواطنون يطالبون بأبسط الحقوق، وهي خدمة كهرباء مستقرة تتناسب مع الحد الأدنى من الحياة الكريمة، لا أن تتحول الكهرباء إلى سلعة نادرة أو منحة من حكومة لا تشعر بآلام شعبها".
أما سميرة عبد الله سعيد (38 عاماً) فأضافت وهي تمسك بعلبة دواء لأحد أطفالها المرضى: "الدواء يحتاج تبريداً، ونحن نخاف على حياة أطفالنا. الحكومة لا تهمها حياتنا، طالما أنها جالسة في القصور المكيفة سواء في عدن أو خارج اليمن ولا تكثرت بأحوال مواطنيها".
صيف يتحول إلى كارثة إنسانية صامتة
مع استمرار التدهور الخدمي في قطاع الكهرباء الحكومية، ترتفع حدة التحذيرات من أن صيف هذا العام قد يتحول إلى "كارثة إنسانية صامتة" إذا لم تتدخل حكومة مجلس القيادة الرئاسي فوراً بحلول عاجلة، تشمل توفير الوقود بشكل منتظم وتأهيل الشبكات وتوزيع الأحمال بشكل عادل، مع الإعلان عن خطة استراتيجية واضحة المعالم لإنهاء هذا الكابوس الممتد منذ سنوات.
ثورة الفرشان تنطلق بمظاهرة مجتمعية تعبر عن المعاناة اليومية
وفي نفس السياق وتحت وطأة الحرارة التي تشعل الجدران والرطوبة التي تخنق الأنفاس، اضطر سكان العاصمة عدن إلى النوم على الأسطح والشوارع العامة هرباً من الاختناق داخل الغرف المغلقة. في المقابل أن المرضى وكبار السن والأطفال الذين يعتمدون على أجهزة طبية تعمل بالكهرباء، وجدوا أنفسهم في مواجهة مع الموت البطيء.
من جانب آخر يقف المواطنون اليوم أمام واقع مرير يختصر كل إخفاقات النظام: أن تتحول الكهرباء من خدمة أساسية إلى سلعة نادرة، ومن حق مكتسب إلى منحة تقدمها حكومة لا تشعر بآلام شعبها.
وفي مشهد يلخص حجم المعاناة، خرج مواطنون في مديريات المعلا وصيرة والتواهي مساء أمس بفرشهم ووسائدهم إلى الشارع، احتجاجًا على الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي في ظل حرارة مرتفعة ولهيب صيف قاس.
وهي بحد ذاتها رسالة صامتة تختصر حجم الأزمة التي يعيشها المواطنون يوميًا، وتكشف إلى أي مدى وصلت معاناتهم مع الكهرباء في عدن.
وإلى أن تتحرك الحكومة، يظل أهالي عدن يعدون الساعات والدقائق مع كل انطفاءة كهربائية أو توقف مروحة سقف وانتهاء بطارية الخزن الكهربائي المؤقت، في معركة يومية مرهقة لا سلاح فيها سوى الصبر الذي أوشك على النفاذ.