افتتاحية التنمية برس

اليمن.. حين تصبح الأزمات السياسية فاتورةً يدفعها الاقتصاد والمواطن

التنمية برس ■ ✍️ كتب/ رئيس التحرير :

 

  • في حقيقة الأمر لم تعد الأزمات السياسية والعسكرية التي تعيشها اليمن منذ سنوات مجرد صراع على النفوذ السياسي أو خلافات بين القوى المتصارعة، بل تحولت إلى واقع ثقيل ينعكس كل يوم على الاقتصاد الوطني، وعلى حركة التجارة والنقل، وعلى المشاريع التنموية، وعلى القطاع الخاص، وعلى حياة المواطن اليمني الذي أصبح يدفع ثمن أزمة طال أمدها أكثر مما ينبغي.

فكلما طال أمد النزاعات السياسية، اتسعت دائرة الخسائر.. اقتصاد يتراجع، ومشاريع تتعثر، واستثمارات تتردد، وقطاع خاص يكافح للبقاء، وسلاسل إمداد تواجه الاضطرابات والمخاطر والتكاليف المرتفعة، وحركة تجارية ونقلية تتأثر بتعدد مراكز القرار والقيود والإجراءات، فيما يجد المواطن نفسه في نهاية هذه السلسلة أمام أسعار مرتفعة ودخل محدود وخدمات أساسية لا تلبي احتياجاته.

وهنا تكمن خطورة استمرار الأزمة؛ لأن الاقتصاد لا يعيش بمعزل عن السياسة، والتنمية لا يمكن أن تزدهر في بيئة يسودها عدم الاستقرار، والتجارة لا تستطيع أداء دورها الطبيعي في ظل المخاطر والاضطرابات، والاستثمار لا يبحث عن أرض خصبة في بيئة مفتوحة على احتمالات الصراع والتوتر.

اليمن لا تحتاج إلى مزيد من السنوات الضائعة

وفي هذا الصدد لقد أثبتت التجربة أن استمرار الانقسامات والصراعات المسلحة وتعدد الولاءات والمصالح الضيقة لم يقدم للمواطنين دولة أكثر قوة، ولا اقتصاداً أكثر استقراراً، ولا حياة معيشية أفضل. بل كانت النتيجة مزيداً من الاستنزاف للموارد والطاقات، وتراجعاً في فرص التنمية، واتساعاً في دائرة الفقر والبطالة والهجرة، وتآكلاً مستمراً في القدرة الشرائية للمواطن.

وفي قلب هذه المعادلة يقف القطاع الخاص اليمني، الذي يمثل أحد أهم محركات النشاط الاقتصادي وفرص العمل والاستثمار، لكنه وجد نفسه خلال سنوات الأزمة أمام بيئة شديدة الصعوبة؛ من ارتفاع تكاليف التشغيل والنقل والتأمين والشحن، إلى اضطراب الأسواق، وتراجع القوة الشرائية، وصعوبة التخطيط والاستثمار، فضلاً عن المخاطر التي ترافق حركة السلع والبضائع وسلاسل الإمداد.

أما قطاع النقل، الذي يفترض أن يكون جسراً بين المدن والموانئ والمطارات والأسواق، فقد أصبح من أكثر القطاعات تأثراً بتداعيات الصراع، رغم أن استقراره يمثل ضرورة أساسية لإنعاش التجارة وتحريك عجلة الاقتصاد وربط اليمن بمحيطها الإقليمي والدولي.

والأمر ذاته ينطبق على الموانئ والمطارات والطرق والمنافذ البرية والبحرية والجوية، التي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها منشآت خدمية فحسب، بل باعتبارها شرايين اقتصادية وسيادية، وركائز أساسية للأمن الغذائي والتجاري والاستثماري، وأدوات مباشرة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني.

ومن خلال ذلك فإن استمرار اضطراب هذه المنظومة يعني ببساطة ارتفاع كلفة كل شيء تقريباً؛ من وصول السلع والمواد الغذائية إلى الأسواق، إلى نقل المنتجات المحلية، وصولاً إلى تكلفة الاستثمار والإنتاج والخدمات.

وفي النهاية، تصل الفاتورة إلى المستهلك، المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، لكنه الأكثر تحملاً لتداعياتها.

فالمواطن الذي يعيش تحت ضغط ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل وضعف الخدمات لا يعنيه كثيراً من ربح الجولة السياسية أو العسكرية؛ ما يعنيه أن يجد سلعة بسعر يستطيع تحمله، وعملاً يوفر له دخلاً كريماً، وخدمة كهرباء ومياه وصحة وتعليم ونقل يمكن الاعتماد عليها، وبيئة آمنة يستطيع فيها أن يبني مستقبله ومستقبل أسرته.

وهذا هو جوهر القضية، فالسياسة في نهاية المطاف يجب أن تكون في خدمة الإنسان، والسلطة يجب أن تكون وسيلة لبناء الدولة لا غاية للاستحواذ عليها، والاقتصاد يجب أن يكون أداة لتحسين حياة المجتمع لا ساحة إضافية للصراع.

ومن هنا، فإن اليمن اليوم أمام استحقاق تاريخي لا يحتمل مزيداً من التأجيل: حسم سياسي شامل، ومسار سلام جاد، واستعادة الاستقرار، وإنهاء حالة الانقسام، ووضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة والولاءات المتعددة.

ولا يعني الحسم المنشود انتصار طرف على طرف بقدر ما يعني انتصار اليمن على أزمتها، وانتصار الدولة على الفوضى، وانتصار التنمية على الحرب، وانتصار المستقبل على سنوات الضياع.

وفي واقع الأمر فقد عانى اليمن طويلاً من استمرار سيطرة جماعة الحوثيين المسلحة وما ارتبط بها من مشروع سلطوي ضيق، كما عانى من تعدد مراكز النفوذ والولاءات والمصالح التي أضعفت الدولة ومؤسساتها وأثقلت كاهل المجتمع والاقتصاد. ولم تعد البلاد تحتمل إدارة أزماتها بالطريقة ذاتها التي أنتجت هذه النتائج.

اليمن بحاجة إلى مشروع وطني جامع، لا إلى دورة جديدة من الصراع

مشروع يعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، ويوحد القرار الاقتصادي، ويحمي حركة التجارة والنقل، ويعيد بناء الثقة مع القطاع الخاص، ويشجع الاستثمار، ويعيد تأهيل البنية التحتية، ويفتح الطريق أمام المشاريع التنموية، ويمنح الشباب فرصة للعمل والبناء بدلاً من البحث عن مستقبلهم خارج البلاد.

كما أن المجتمع الدولي، والقوى الإقليمية، والأطراف اليمنية كافة، أمام مسؤولية تاريخية في مساعدة اليمن على الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة السلام والتنمية.

فالمطلوب ليس فقط وقف إطلاق النار أو توقيع اتفاق سياسي؛ بل بناء سلام اقتصادي وتنموي يشعر المواطن بنتائجه في الأسواق والخدمات وفرص العمل والاستثمار، ويشعر به التاجر في سهولة حركة البضائع، ويشعر به المستثمر في استقرار بيئة الأعمال، ويشعر به العامل في انتظام دخله، وتشعر به الأسرة في تحسن قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية.

إن السلام الحقيقي هو الذي يفتح الموانئ والمطارات والطرق، ويحرك التجارة، ويعيد المصانع إلى العمل، ويشجع الاستثمار، ويخلق فرصاً جديدة للشباب، ويمنح القطاع الخاص مساحة للنمو، ويعيد للدولة قدرتها على تقديم الخدمات، وللمواطن ثقته بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.

من هنا تبدأ التنمية

ولذلك، فإن الربع الأخير من عام 2026 الجاري يجب ألا يكون مجرد ربع سنوي جديد في روزنامة السنوات التي مرت على اليمن وهي مثقلة بالأزمات، بل محطة جديدة للتفكير الجاد في المستقبل.

فاليمن تمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً، وموانئ ومنافذ بحرية وبرية وجوية، وموارد وإمكانات اقتصادية، وطاقات بشرية شابة، وفرصاً واسعة في التجارة والنقل والخدمات اللوجستية والاستثمار والسياحة والصناعة والزراعة والثروة السمكية.

لكن هذه الإمكانات لن تتحول إلى ثروة وطنية ما لم يسبقها الاستقرار، لا يمكن بناء اقتصاد قوي فوق أرض تهتز تحت أقدامها السياسة والحرب.

وإذا كان اليمنيون قد خسروا سنوات طويلة بسبب الصراع، فإن الخسارة الأكبر ستكون أن تستمر السنوات القادمة بالطريقة نفسها.

لقد حان الوقت لكي تتوقف عجلة الاستنزاف، وأن تبدأ عجلة البناء، حان الوقت لأن تتحول الموانئ والمطارات والطرق من نقاط تتقاطع عندها الأزمات إلى شرايين تتدفق عبرها التجارة والتنمية، وحان الوقت لأن ينتقل القطاع الخاص من مرحلة الصمود إلى مرحلة النمو، وأن ينتقل المواطن من البحث عن وسائل للبقاء إلى التخطيط لمستقبل أفضل.

وحان الوقت لأن يصبح السلام مشروعاً وطنياً واقتصادياً وتنموياً، لا مجرد عنوان سياسي مؤقت.

وخلاصة القول فإن اليمن تستحق أن تصبح دولة عربية مستقرة، واقتصاداً منتجاً، ونقلاً آمناً، وتجارة مزدهرة، واستثماراً حقيقياً، وتنمية مستدامة، وحياة كريمة لمواطنيها.

وفي صحيفة ومنصة "التنمية برس"، نؤمن أن الإعلام الاقتصادي والتنموي ليس مجرد ناقل للأحداث، بل شريك في قراءة الواقع، وكشف التحديات، وطرح الأسئلة، والدفاع عن حق المجتمع في مستقبل أفضل.

فاليمن لا ينقصها الحديث عن الأزمات، بقدر ما تحتاج إلى إرادة تتجاوزها.

ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى جميع الأطراف اليمنية والإقليمية والدولية اليوم هي:

أوقفوا نزيف اليمن.. واتركوا للاقتصاد أن يتنفس، وللتنمية أن تبدأ، وللسلام أن يصنع مستقبلاً يستحقه الشعب.

وزير الصناعة والتجارة ورئيس مصلحة الجمارك يبحثان تسهيل حركة التجارة وانسياب السلع


فيما نبيل هائل سعيد: «الشهادات وسيلة لتحسين الأداء وحماية البيئة».. شركة هائل سعيد أنعم وشركاه تحتفي بشهادات دولية لعدد من شركاتها الصناعية


بحضور معالي وزير المالية.. الجمارك تمنح ثلاث شركات شهادة المشغل الاقتصادي المعتمد


إطلاق أول بطاقة دفع إلكتروني مصدرة محلياً في سورية ومقبولة دولياً