المدير العام لـ"عدن فلاي" في حوار خاص: الاستقرار شجع القطيبي للاستثمار.. ونطالب بإصلاحات جذرية لخفض التذاكر
في خطوة تعيد لعدن مكانتها كمركز إقليمي للنقل الجوي، أعلنت شركة "طيران عدن" عن انطلاق عملياتها...
- الشرجبي: لا وجود لاختلاط مباشر بين مياه الشرب والمجاري إلا في حالات محددة.. والغيضة بحاجة لاستئناف مشروع المعالجة المتكامل.. والتسرب النفطي في عزان أولوية بيئية لا تقبل التأجيل
- الوزارة تعمل على تحديث البنية التحتية للمياه والصرف الصحي وتحسين الإدارة البيئية في المحافظات المحررة وفق تقييم علمي للمخاطر والكثافة السكانية

- في ظل التحديات المتفاقمة التي تواجه قطاعي المياه والبيئة في اليمن، تتصدر قضايا شح المياه، وطفح المجاري، وتدهور شبكات الصرف الصحي، والتلوث البيئي، قائمة الأولويات التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، خصوصاً في المحافظات الحضرية والساحلية التي تشهد نمواً سكانياً متسارعاً وضغطاً متزايداً على البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، أجرت "التنمية برس" لقاءً خاصاً مع وزير المياه والبيئة في اليمن المهندس/ توفيق عبدالواحد الشرجبي، للوقوف أمام أبرز الملفات الساخنة المتعلقة بقطاع المياه والصرف الصحي، من عدن إلى المهرة وتعز ومأرب وشبوة، إضافة إلى قضايا البيئة البحرية والتسربات النفطية والتحديات المناخية التي تواجه البلاد.
الوزير الشرجبي كشف خلال هذا اللقاء عن جملة من الحقائق الفنية والإدارية، موضحاً أسباب الأزمات القائمة، ومسارات المعالجات الجارية، ومستقبل المشاريع الاستراتيجية التي تعول عليها الحكومة في إنهاء أزمات مزمنة، وفي مقدمتها مشروع تحلية مياه البحر من المخا في محافظة تعز، ومشاريع محطات المعالجة في الغيضة بمحافظة المهرة، وتحديث شبكات الصرف الصحي في المدن الشرقية، وفيما يلي نص اللقاء:
التنمية برس: يُقال إن مياه المجاري تتسرب إلى شبكة المياه العامة في حي عبدالقوي بعدن.. كيف تفسرون ذلك؟ وما الإجراءات العاجلة لفصل الشبكتين بشكل دائم؟
الوزير توفيق الشرجبي: من الناحية الفنية، خطوط مياه الشرب تكون قريبة من سطح الأرض، بينما خطوط الصرف الصحي تقع في أعماق أكبر، وبالتالي فإن اختلاط المياه بالمجاري بشكل مباشر يُعد أمراً مستحيلاً إلا في حالة واحدة فقط، وهي قيام بعض المواطنين بحفر بيارات مخالفة فوق خطوط المياه.
وأي بلاغ يصلنا بشأن احتمال اختلاط مياه الصرف بمياه الشرب يتم التعامل معه فوراً ودون أي تأخير، من خلال فرق الطوارئ المختصة. وحتى هذه اللحظة، لم نتسلم أي بلاغ رسمي بهذا الشأن، وأرقام الطوارئ متاحة للجميع لضمان التدخل العاجل وإصلاح أي خلل فوراً.
التنمية برس: عدن تعاني من طفح المجاري وانهياراً شبه كامل لمنظومة الصرف الصحي..إلى أين وصلت أعمال إعادة التأهيل؟
الوزير: ما حدث في منطقة الشيخ عثمان منذ منتصف فبراير كان نتيجة توقف المضخات في محطة عمر المختار، وهي المحطة التي تستقبل مياه الصرف من الشيخ عثمان ودار سعد والقاهرة. الفرق الفنية تحركت سريعاً وتمت صيانة وتشغيل مضختين عموديتين قديمتين لإعادة الخدمة بشكل عاجل، نظراً لعدم توفر مضخات مماثلة في السوق.
يجب التوضيح أن شبكة الصرف الصحي ليست مخصصة لاستيعاب مياه الأمطار، كما أن هناك استخدامات خاطئة من بعض المنشآت كالمطاعم والمسالخ ومحطات الغسيل للسيارات والمختبرات، ما يضاعف الضغط على الشبكة.
ولا يمكن وصف ذلك بانهيار كامل للمنظومة، لأن الانهيار يعني غرق جميع مديريات عدن بالمجاري، وهذا غير حاصل. المنظومة ما تزال تعمل، رغم التحديات الكبيرة وضخ آلاف الأمتار من المياه العادمة يومياً.
التنمية برس: ماذا عن مشكلة الصرف الصحي في الحسوة وطريق البريقة والتلوث الذي وصل إلى البحر؟
الوزير: معظم محطات ومضخات الصرف الصحي الحالية تعود إلى مشروع ياباني نُفذ عام 1983، وهي اليوم تعمل فوق طاقتها نتيجة التوسع العمراني الكبير. في محطة المنصورة مثلاً، تعرض خط الضخ الرئيسي لكسر مفاجئ على عمق أربعة أمتار، ما أدى إلى توقف مؤقت للمضخات.
لكن فرقنا الفنية تمكنت من إصلاح الخلل سريعاً وإعادة تشغيل المضخات القديمة، مع الحرص على استمرار الخدمة وتقليل آثار التلوث البيئي والبحري.
التنمية برس: الغيضة تعوم على بحيرة مجاري تهدد المنازل.. إلى أين وصل مشروع الحل الجذري لهذه الكارثة البيئية؟
الوزير: نحن في وزارة المياه والبيئة نولي محافظة المهرة، ومدينة الغيضة على وجه الخصوص، اهتماماً بالغاً، نظراً للنمو السكاني المتسارع الذي شهدته خلال السنوات الأخيرة نتيجة الهجرة الداخلية، وما ترتب على ذلك من ضغط كبير على خدمات المياه والصرف الصحي.
وفي هذا الإطار، تم منذ عام 2014م إعداد دراسات فنية وبيئية متكاملة لمشروع يشمل إنشاء شبكة صرف صحي حديثة ومحطة معالجة، وفق معايير تصميمية تضمن معالجة المشكلة بشكل جذري، مع مراعاة التوسع العمراني المستقبلي. وقد تم تأمين تمويل المشروع بمنحة من سلطنة عُمان عبر الصندوق العربي للإنماء، وبدأت أعمال التنفيذ بالفعل.
إلا أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية نتيجة اعتراضات مجتمعية على بعض مكوناته، رغم استيفائه لكافة الاشتراطات الفنية والبيئية، التي أكدت بوضوح أن تنفيذ المشروع يمثل ضرورة ملحة لتفادي تدهور الوضع البيئي والصحي في المدينة، خاصة مع تزايد كميات مياه الصرف وعدم وجود بنية تحتية كافية للتعامل معها.
أما فيما يتعلق بخطط إنشاء محطات المعالجة، فإن الوزارة تعمل حالياً على تحديث الدراسات الفنية للمشروع بشكل شامل، بحيث تستوعب التوسع العمراني والنمو السكاني المتسارع، وتأخذ في الاعتبار آثار التغيرات المناخية التي تشهدها المحافظة، خصوصاً الأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة. ونسعى بالتوازي إلى تأمين التمويل اللازم بالتعاون مع شركائنا الدوليين، وفي مقدمتهم البنك الدولي، تمهيداً لاستئناف تنفيذ المشروع، بما في ذلك محطة المعالجة التي تمثل الركيزة الأساسية للحل المستدام.
وفيما يخص الحلول العاجلة، فقد عملت الوزارة على تفعيل برامج الاستجابة الطارئة للتعامل مع الوضع القائم، من خلال نشر فرق الطوارئ والتدخل السريع لمعالجة تجمعات وطفح مياه الصرف الصحي، وتوفير شاحنات شفط ومضخات متنقلة للتعامل مع الحالات الحرجة، إلى جانب تعزيز الجاهزية لمواجهة آثار الأمطار والسيول والأعاصير، بما يسهم في الحد من المخاطر التي قد تهدد منازل المواطنين وسلامتهم.
كما نفذت الوزارة، بدعم من الشركاء الدوليين، عدداً من التدخلات لتحسين خدمات المياه والصرف الصحي في المدينة، بما في ذلك دعم تشغيل حقول الآبار بالطاقة الشمسية، وتأهيل بعض شبكات المياه، وإنشاء خزانات تجميعية، وذلك لضمان استمرارية الخدمات الأساسية في ظل التحديات الراهنة.
ونؤكد في هذا السياق أن الحل الجذري لمشكلة الصرف الصحي في مدينة الغيضة يظل مرهوناً باستئناف وتنفيذ مشروع محطة المعالجة وشبكة الصرف الصحي بشكل متكامل، إلى جانب استمرار التدخلات العاجلة للتخفيف من الأضرار الحالية، حمايةً للبيئة والصحة العامة، والحفاظ على سلامة المواطنين وممتلكاتهم.
التنمية برس: في قشن بمحافظة المهرة، هناك مشاريع آبار وخزانات تعمل بالطاقة الشمسية.. كيف تقيمون جدواها مع التوسع السكاني؟ وما تقييمكم لجودة المياه الجوفية القريبة من الساحل؟
الوزير: مدينة قشن بالمهرة عانت تاريخياً من أزمة مياه معقدة. المشروع القديم الذي نُفذ في الثمانينيات توقف مطلع التسعينيات، ما اضطر السكان للاعتماد على آبار سطحية مالحة بجوار المنازل، وهو ما شكل خطراً صحياً كبيراً.
في عام 2020 تم حفر ثلاثة آبار جديدة في وادي غبوري وإنشاء شبكة جديدة بالتنسيق مع الوزارة وبتمويل من المانحين، إلا أن الحاجة ما تزال قائمة لزيادة عدد الآبار.
بعد إعصار تيج، شرعنا في تنفيذ مشروع منظومة ضخ بالطاقة الشمسية لعدد من الآبار، بدعم من البنك الدولي عبر مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (UNOPS)، وقد ساهم المشروع في ضمان استمرارية الضخ وتقليل الاعتماد على الديزل وخفض التكاليف التشغيلية.
كما نعمل حالياً على توريد مولدات كهربائية إضافية، ونبحث عن تمويل لحفر آبار جديدة، إضافة إلى دراسة مشاريع تحلية مياه البحر مستقبلاً في المدن الساحلية.
التنمية برس: خطر اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب يهدد الغيظة وعتق ومأرب. ما خطتكم لمنع هذه الكارثة قبل وقوعها؟
الوزير: الحديث عن اختلاط مياه الشرب بالمجاري غير دقيق ويفتقر إلى أي أساس واقعي، إذ لم تُسجَّل أي حالات حقيقية بهذا الشأن. ويمكن الإشارة إلى أن بعض المدن تفتقر إلى محطات معالجة للصرف الصحي، ومع ذلك لا يحدث اختلاط بين مياه الشرب ومياه المجاري، وفي هذا السياق تعمل وزارة المياه والبيئة بشكل مستمر على معالجة التحديات المرتبطة بقطاع المياه والصرف الصحي في عدد من المدن الرئيسية، ومن بينها الغيظة وعتق ومأرب، وذلك من خلال التنسيق الوثيق مع السلطات المحلية وإعداد مصفوفة بالاحتياجات الفنية والمشاريع ذات الأولوية، بهدف البحث عن التمويل اللازم لتنفيذها وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
نفذت الفرق الفنية للوزارة زيارات ميدانية إلى المحافظات الشرقية لمناقشة أوضاع مرافق المياه والصرف الصحي مع السلطات المحلية وتقييم التحديات القائمة. وقد تم خلال هذه الزيارات الاتفاق على ضرورة تحديث الدراسات الفنية الخاصة بمشاريع الصرف الصحي بما يواكب التوسع العمراني والنمو السكاني في هذه المدن، مع تحديد مواقع مناسبة وآمنة لمحطات الضخ ومنشآت المعالجة قبل البدء في التنفيذ. كما شددت الوزارة على أهمية حماية مصادر المياه والبنية التحتية المرتبطة بها من زحف التوسعات العمرانية، والعمل على تطوير القطاع لضمان استدامة الخدمات وتقليل المخاطر البيئية والصحية المحتملة.
وفيما يتعلق بالخطط المستقبلية، تولي الوزارة أولوية خاصة لمعالجة مخاطر اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الشرب، خاصة في المدن التي تشهد توسعاً عمرانياً سريعاً مثل الغيظة ومأرب. وتشمل هذه الخطط إعداد الدراسات الفنية والتصاميم التنفيذية لتحديث شبكات الصرف الصحي، ضمن مشروع الخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن (YIUSEP II) لمدينة الغيظة، ودراسة مماثلة لتحديث شبكة الصرف الصحي في مأرب ضمن مشروع رأس المال البشري الطارئ في اليمن (YEHCP). وتهدف هذه الدراسات إلى وضع تصاميم هندسية متكاملة لشبكات الصرف الصحي ومحطات الضخ والمعالجة بما يواكب النمو السكاني والتوسع العمراني.
كما تتضمن التدخلات تعزيز إدارة شبكات المياه وتقليل الفاقد من خلال تركيب أنظمة مراقبة حديثة، بما في ذلك العدادات الذكية والعدادات الرئيسية لمراقبة مصادر المياه والشبكات، ما يسهم في اكتشاف التسربات وتقليل احتمالية تلوث مصادر المياه. ويضاف إلى ذلك تحسين جودة المياه في حقول الآبار عبر تركيب وحدات الكلورة في الخزانات لضمان تعقيم المياه قبل ضخها، وإعادة تأهيل خطوط النقل واستبدال المقاطع المتدهورة بأنابيب حديثة HDPE لتعزيز كفاءة الشبكات.
كما تعمل الوزارة على تعزيز استدامة تشغيل حقول المياه من خلال إدخال أنظمة الطاقة الشمسية لتشغيل الآبار، بما يضمن استمرار ضخ المياه وتقليل الأعطال الناتجة عن انقطاع الطاقة. جميع هذه الإجراءات تأتي ضمن جهود الوزارة لتعزيز البنية التحتية لقطاع المياه والصرف الصحي، ووضع أسس فنية متكاملة لحماية مصادر المياه والحد من مخاطر اختلاطها بمياه الصرف، وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين."
وجدير بالذكر أن مدينة الغيظة كان لديها تمويل لمحطة ومشروع للصرف الصحي قبل أكثر من 15 عامًا، إلا أنه وبسبب عدم توفير الأرض اللازمة لمحطة المعالجة تم إلغاء المشروع، وانتهت المنحة المقدمة من الأشقاء في سلطنة عُمان عبر الصندوق العربي.
التنمية برس: صرحتم سابقاً أن سبب أزمة تعز هو "سوء الإدارة الذاتي"، ونسبة التغطية تراجعت لأقل من 29%. كيف تفسرون استمرار هذا الخلل رغم وجود السلطة المحلية؟ ومن المسؤول عن الإصلاح إن لم تكن الوزارة؟
الوزير : إدارة المياه في المجمل تعاني من مشاكل بنيوية معقدة بعضها موضوعي يعود إلى شحة الموارد والبعض الآخر يعود إلى سوء الإدارة، وهذا لا يعني إدارة المؤسسات والهيئات ذات الصلة بقدر ما يعني الإدارة الكلية للمياه، حيث يتم التعامل مع المياه باعتبارها هبة ومصدر لا ينضب، فالمياه التي تذهب لري المزروعات هي مجانية ولا يتم أخذه ثمن. لها، وكفاءة الري أقل من 35%، كما أن معدل السداد لمياه الشرب دون 40% أيضا، ونلاحظ بين حين وآخر احتجاجات ورفض لدفع ثمن فاتورة المياه، وفي حين يدفع الجميع قيمة فاتورة الإنترنت والاتصالات.... إلخ. إلى جانب أخطاء مؤسسية عديدة.
هذا الفهم الخاطئ لطبيعة التعامل مع موارد المياه، سيؤدي في نهاية المطاف إلى أن ينفق الناس أكثر من ثلث إيراداتهم على المياه عندما تنهار المؤسسات العامة.. هذا هو القصد من سوء إدارة الموارد المائية بمفهومها الشامل، وليس مجرد، تغيير مدير أو تعيين آخر. وتعز في صدارة هذا الوضع، نظراً لشدة الاحتياج، ومحدودية المصادر، وكذلك تعدد مصادر التدخلات في شؤون المؤسسة المحلية للمياه.
التنمية برس: هناك أيضا تصريح آخر لمعاليك حول أن تعز مدينة منكوبة مائياً.. هل مشروع تحلية المخا هو الحل الحقيقي؟
الوزير: مشروع تحلية مياه البحر من المخا يمثل الحل الاستراتيجي الوحيد والمخرج النهائي لإنقاذ مدينة تعز، التي أُعلنت رسمياً 'مدينة منكوبة مائياً'. تشير الدراسات إلى أن حصة الفرد من المياه في المدينة تراجعت من 48 لتراً يومياً في عام 2007م إلى 23 لتراً يومياً في عام 2014م، والوضع حالياً أسوأ بكثير. لذا، فإن المشروع ليس مجرد خطة نظرية، بل هو ضرورة حياة أو موت، في مدينة تعتمد على أحواض مائية غير مستقرة تتراجع مناسيبها بمعدل 3 إلى 5 أمتار سنوياً.
أما فيما يتعلق بالعقبات، فتوقف المشروع ليس نتيجة خلل في التخطيط أو التصميم، بل ناجم عن ظروف قاهرة تمثلت بالانقلاب الحوثي، والذي تزامن مع وصول المشروع إلى مرحلة توقيع اتفاقيات التمويل النهائية. فالمشروع استند إلى دراسات جدوى تفصيلية أعدتها شركات دولية؛ حيث أكملت شركة MECON الهندية دراسة الخط الناقل في عام 2013م، وكلفت شركة ILF الإيطالية في 2014م بدراسة محطة التحلية وخيارات الطاقة. كما نجحت الحكومة قبل الأحداث الأخيرة في الحصول على موافقة الصندوق السعودي للتنمية على تمويل المشروع بإجمالي 280 مليون دولار، موزعة بين 180 مليون دولار منحة للأعمال المدنية والإنشاءات، و100 مليون دولار تمويل من صندوق الصادرات السعودي لتوريد المعدات والأنابيب ومعدات الضخ.
المشروع يواجه تحديات هندسية طبيعية أيضاً، إذ يتطلب ضخ المياه لمسافة 100 كيلومتر وبفارق ارتفاع يصل إلى 1200 متر، ما يتطلب استقراراً أمنياً وتدفقاً مالياً مستمراً لضمان التنفيذ.
أما المكونات الفنية للمشروع، فهي جاهزة للتنفيذ وتشمل منظومة متكاملة: خطوط أنابيب رئيسية بطول 98.5 كيلومتر وقطر 36 إنشاً تمتد من المخا إلى خزانات تعز قرب المطار القديم، ثلاث محطات ضخ رئيسية (المخا، البرح، وتعز) مزودة بمنظومات تحكم وورش صيانة وخزانات بسعة إجمالية تصل إلى 80 ألف متر مكعب، بالإضافة إلى خزانات تجميع لخدمة القرى والمناطق الواقعة على مسار الخط، مثل البرح، الرمادة، وهجدة.
الخلاصة هي أن المشروع توقف عند مرحلة إرسال مسودات الاتفاقيات النهائية للصناديق السعودية، والعقبات الحقيقية تكمن في تداعيات الحرب التي جمدت هذه المنح والاتفاقيات. ومع ذلك، نؤكد في وزارة المياه والبيئة أن الملف الفني والتمويلي جاهز بالكامل، وبمجرد استعادة المسار السياسي والاقتصادي سيكون هذا المشروع أولويتنا القصوى لإنهاء مأساة العطش في مدينة تعز.
التنمية برس: سكان تعز يعانون طوابير المياه وارتفاع الأسعار. في غياب الحل الاستراتيجي؟ وكيف نضمن وصول المياه بسعر عادل دون سطوة المتنفذين؟
الوزير: مدينة تعز اليوم تعيش أوضاعاً مائية وإنسانية غير مسبوقة. فالارتفاع الكبير في معدلات النمو السكاني، وتزامن ذلك مع عودة أعداد واسعة من النازحين إلى المدينة، إلى جانب التوسع العمراني السريع في الاتجاهين الشمالي والغربي، خلق فجوة كبيرة بين الطلب المتزايد على المياه والكمية المتاحة فعلياً، وزاد الضغط على القدرات المحدودة للمؤسسة المحلية للمياه، والتي فقدت ما يقارب 80 في المائة من قدرتها الإنتاجية بسبب توقف الضخ من الحقول الرئيسية خلال فترة الحرب.
وبالإضافة إلى ذلك، لعبت التغيرات المناخية دوراً بارزاً في تفاقم الأزمة، حيث ساهم انخفاض معدلات التساقط المطري في خفض تغذية المخزون الجوفي للآبار المتاحة، ما أدى إلى انخفاض كميات المياه المنتجة وظهور الطوابير التي يشكو منها المواطنون اليوم.
أما بالنسبة لارتفاع أسعار المياه، فهذا الأمر يعود للعرض والطلب مثل أي سوق أخرى، والمؤسسة لا تتحكم في أسعار البيع من الآبار الخاصة أو صهاريج المياه المملوكة لبعض المواطنين، وتبقى التعرفة الرسمية لمياه المؤسسة ثابتة تقريباً، ولم تطرأ عليها أي زيادة، رغم أن الأمر أصبح لا يحقق أي توازن مالي لتغطية نفقات التشغيل والصيانة.
التنمية برس: كيف تحدد الوزارة أولوياتها البيئية في المحافظات المحررة؟ وهل لديكم خطة تدخلات حسب الخطورة البيئية والكثافة السكانية؟
الوزير: تعمل وزارة المياه والبيئة على تحديد أولوياتها البيئية وفق منهجية علمية واضحة تستند إلى تقييم شامل للمخاطر البيئية، وبما يضمن توجيه التدخلات نحو القضايا الأكثر إلحاحاً وتأثيراً على حياة المواطنين والموارد الطبيعية. ويتم ذلك من خلال تنفيذ مسوحات ميدانية وتحليل المؤشرات البيئية، ودراسة أوضاع المياه والتربة والهواء والتنوع الحيوي، إلى جانب رصد مصادر التلوث المختلفة، بما يمكّننا من تكوين صورة دقيقة عن الحالة البيئية في مختلف المحافظات.
وفي هذا السياق، نعمل حالياً على إعداد تقرير وطني شامل لحالة البيئة في اليمن للعام 2026، والذي سيشكل مرجعاً أساسياً لتحديد الأولويات ووضع السياسات والتدخلات اللازمة لمعالجة التحديات البيئية القائمة. كما نركز بشكل خاص على القضايا المرتبطة بندرة المياه وتدهور نوعيتها، والتلوث بمختلف أشكاله، إضافة إلى تدهور الأراضي والتصحر وتراكم النفايات، لما لهذه التحديات من انعكاسات مباشرة على الصحة العامة وسبل عيش المواطنين.
وبطبيعة الحال، فإن تحديد الأولويات لا يقتصر على نطاق جغرافي محدد، بل يشمل مختلف محافظات الجمهورية، مع إعطاء أولوية أكبر للمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة، أو تلك التي تواجه مخاطر بيئية وصحية مباشرة، وكذلك المناطق التي يعتمد سكانها بشكل رئيسي على الموارد الطبيعية في معيشتهم. فكلما ارتفع مستوى الخطورة وتأثيرها على الإنسان، زادت أولوية التدخل.
كما نأخذ في الاعتبار تأثيرات التغيرات المناخية، التي باتت تمثل تحدياً حقيقياً في اليمن، سواء من خلال تزايد موجات الجفاف وشح المياه، أو تكرار السيول والفيضانات، وارتفاع مستوى سطح البحر وتأثيره على المناطق الساحلية. ولهذا نعمل على تطوير أنظمة الرصد البيئي والمناخي وتعزيز قدرات التخطيط المبني على البيانات، بما يساعد في تحديد المناطق الأكثر هشاشة وتوجيه التدخلات بشكل دقيق وفعّال.
وتُنفذ هذه التوجهات من خلال شراكات واسعة مع الجهات الحكومية ذات العلاقة والسلطات المحلية، وبالتنسيق مع المنظمات الدولية الداعمة، بما يسهم في توفير التمويل وبناء القدرات المؤسسية، وتنفيذ برامج بيئية مستدامة. وفي المحصلة، نحن نعمل وفق خطة تدخلات تأخذ بعين الاعتبار مستوى الخطورة البيئية والكثافة السكانية، وتركّز على حماية الموارد الطبيعية وتحسين جودة الحياة للمواطنين، وتعزيز قدرة البلاد على التكيف مع التحديات البيئية الراهنة والمستقبلية.
التنمية برس : يُقال إن كارثة تسرب نفطي في مديرية عزان بشبوة مستمرة منذ أشهر والتلوث وصل عمق 40 متراً. ما دور الوزارة في هذا الموضوع لوقف التسرب ومحاسبة الشركة المشغلة؟ وما خطة معالجة التربة الملوثة؟
الوزير: وزارة المياه والبيئة والهيئة العامة لحماية البيئة تعتبر أي حادثة تسرب نفطي قضية بيئية وصحية ذات أولوية قصوى، لما لها من آثار على التربة والمياه الجوفية وصحة الإنسان، خصوصاً في المناطق التي تتداخل فيها الأنشطة النفطية مع التجمعات السكانية أو الموارد الطبيعية الحساسة. فيما يخص التسرب النفطي في منطقة عزان بمحافظة شبوة، فإن هذا التسرب ليس حادثة منفصلة، بل جزء من تحدٍ فني وبيئي أكبر يتعلق بخط الأنابيب النفطي الممتد من قطاع العقلة إلى ميناء النشيمة، والذي يبلغ طوله نحو 200 كم ويمر بتضاريس مختلفة تشمل مناطق صحراوية وجبلية وساحلية.
وأسباب التسرب تتعلق بالتآكل الطبيعي للأنابيب القديمة، وضعف الصيانة الدورية في فترات سابقة، والضغوط التشغيلية، وصعوبة تأمين بعض مناطق الخط، إضافة إلى تدخلات بشرية محدودة. وقد تابعت الهيئة هذا الملف ميدانياً عبر زيارات لمواقع التسرب والتنسيق مع الجهات المختصة، مع ملاحظة أن عمليات الضخ من قطاع العقلة توقفت أو تقلصت، ما خفف من احتمالية حدوث تسربات جديدة، بينما الآثار البيئية الحالية مرتبطة بتسربات تراكمية سابقة.
الشركة المشغلة، وهي شركة الاستثمارات النفطية والمعدنية "وايكوم"، تتحمل المسؤولية الكاملة عن إصلاح الخط ومعالجة التسربات وإعادة تأهيل التربة والمواقع المتضررة وفق مبدأ “الملوث يدفع”، إلا أن الشركة تواجه تحديات مالية حالياً. وقد تم استبدال مقاطع متضررة من الأنبوب، لكن معالجة التربة الملوثة لم تكتمل بعد، وتواصل الهيئة متابعتها مع الجهات المعنية لضمان الالتزام الكامل.
وإضافة إلى ذلك أن خطة معالجة التربة الملوثة تشمل الأساليب العلمية المعتمدة دولياً، والتي يجب اعتمادها من قبل الشركة المشغلة، وتشمل إزالة التربة شديدة التلوث ونقلها إلى مواقع معالجة آمنة، واستخدام المعالجة الحيوية والتهوية والتحلل الحراري، بالإضافة إلى مواد ماصة للحد من التلوث السطحي، وإنشاء آبار مراقبة للمياه الجوفية، وإعادة التأهيل البيئي وإعادة الغطاء النباتي، إلى جانب برنامج رصد بيئي طويل الأمد.
الوزارة والهيئة تتعاملان مع هذا الملف بمهنية ومسؤولية وطنية، من خلال المتابعة الميدانية، والتنسيق مع الجهات المختصة، والتأكيد على التزام الشركة بإصلاح الأضرار، وتعزيز دور فروع الهيئة، وتطوير أدوات الرصد البيئي، لضمان الانتقال من مرحلة الاستجابة إلى الوقاية والإدارة البيئية الاستباقية، وحماية البيئة اليمنية وصون مواردها الطبيعية وضمان سلامة المواطنين بشكل مستمر.
التنمية برس: يُثار قلق بشأن طحن الأسماك والجرف العشوائي للشعاب المرجانية من قبل بعض الصيادين الذين يستخدمون شباكاً مدمرة للبيئة. ما دور الوزارة في معالجة هذه الإشكالية، وما مدى التنسيق مع وزارة الزراعة والمنافذ الجمركية وخفر السواحل لمنع استخدام هذه الشباك؟
الوزير: تواجه البيئة البحرية في اليمن تحديات حقيقية نتيجة بعض الممارسات غير المستدامة في الصيد، ومن أبرزها استخدام شباك تدمر الشعاب المرجانية والجرف العشوائي لها، إضافة إلى طحن الأسماك الصغيرة (Fishmeal) بشكل يؤثر على التوازن البيئي والمخزون السمكي. وزارة المياه والبيئة والهيئة العامة لحماية البيئة تعتبر هذه الممارسات قضايا بيئية ذات أولوية قصوى لما لها من آثار على التنوع البيولوجي والأمن الغذائي والصحة العامة.
القانون رقم (2) لسنة 2006 ينص بوضوح على منع أي ممارسات تضر بالشعاب المرجانية أو النظم البيئية البحرية، ويمنح وزارة الزراعة والثروة السمكية صلاحيات تنظيمية ورقابية فيما يخص أدوات الصيد ومنح التراخيص، بينما تلعب وزارة المياه والبيئة والهيئة العامة دوراً تكميلياً، يشمل تقييم الأثر البيئي، وإعداد السياسات والاستراتيجيات الوطنية، وتنفيذ برامج التوعية للصيادين والمجتمعات الساحلية، والمشاركة في مشاريع دولية للحفاظ على المخزون السمكي.
ويتم التنسيق بين مختلف الجهات لضمان حماية البيئة البحرية، حيث تتولى وزارة الزراعة تنظيم الصيد ومنح التراخيص، ويقوم خفر السواحل بالرقابة الميدانية ومنع المخالفات، بينما تمنع المنافذ الجمركية دخول الشباك والمعدات غير المطابقة للمواصفات، وتتابع الهيئة العامة لحماية البيئة الأثر البيئي وتقدم التقارير الفنية لدعم اتخاذ القرار.
أما ما يخص طحن الأسماك، فإن الأنشطة الاستثمارية المرخصة تستهدف استخدام مخلفات الأسماك، فيما بعض المخالفات السابقة تضمنت طحن أسماك صغيرة أو غير مكتملة النمو، ما أثر سلباً على التوازن البيئي والسلسلة الغذائية البحرية. وضمن جهود الحكومة لعام 2024 تم إيقاف بعض المصانع المخالفة مؤقتاً لمراجعة أوضاعها، مع تكثيف الرقابة على الصيد ومنع اصطياد الأسماك الصغيرة، وتعزيز الالتزام بالمعدات المسموح بها.
تركز الوزارة والهيئة على تنظيم هذا النشاط بشكل مستدام، عبر منع طحن الأسماك الكاملة أو الصغيرة، ربط الإنتاج بالمخزون السمكي المستدام، حماية الشعاب المرجانية والحشائش البحرية، وتعزيز الأبحاث العلمية لتحديد الغلة المستدامة، بالإضافة إلى تعزيز الرقابة في المنافذ وخفر السواحل.
في النهاية، تؤكد وزارة المياه والبيئة والهيئة العامة لحماية البيئة أن الهدف ليس إيقاف النشاط الاقتصادي، بل تنظيمه بطريقة تحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة البحرية، لضمان استدامة الموارد البحرية وصون الأمن الغذائي للأجيال القادمة.
“وفي ختام نتائج اللقاء المثمر إعلاميا والذي يضع النقاط على الحروف ويكشف بوضوح حجم التحديات المعقدة التي تواجه قطاع المياه والبيئة في اليمن، بين أزمات متراكمة في البنية التحتية، وضغوط التوسع السكاني، وتداعيات الحرب، وتغيرات المناخ، وتراجع التمويل الدولي للمشاريع الاستراتيجية.”لكن في المقابل، تؤكد وزارة المياه والبيئة أن المعالجات ليست غائبة، بل تسير ضمن خطط متدرجة تجمع بين التدخلات الطارئة والحلول المستدامة، مع التركيز على المشاريع الكبرى التي يمكن أن تُحدث تحولاً جذرياً في مستقبل الخدمات الأساسية.
ويبقى الرهان الحقيقي، كما يشير الوزير م. توفيق الشرجبي، على استعادة الاستقرار، وتعزيز الشراكات الدولية، وتحويل الدراسات والمخططات إلى مشاريع قائمة على الأرض، بما يحفظ حق المواطنين في المياه النظيفة، والبيئة الآمنة، والتنمية المستدامة، وفي الأخير يبقى نجاح هذه الجهود مرهوناً بتكامل الأدوار بين الحكومة والسلطات المحلية والشركاء الدوليين، إلى جانب وعي المجتمع بأهمية حماية الموارد المائية والبيئية باعتبارها قضية أمن قومي وتنموي لا تحتمل التأجيل.
