ازدواج الوظائف… بابٌ خفيّ لتوسيع البطالة في اليمن
في بلد ترتفع فيه معدلات البطالة إلى مستويات مقلقة، ويكافح فيه آلاف الشباب من أجل الحصول على فرصة عمل بسيطة تحفظ كرامتهم، تبرز ظاهرة خطيرة ومؤلمة في آنٍ واحد، وهي ازدواج الوظائف الحكومية لدى فئة محدودة من المجتمع. فبينما يقف الخريجون والعاطلون في طوابير الانتظار، نجد أشخاصاً يجمعون بين أكثر من وظيفة حكومية، وأحياناً بين وظائف داخل الوطن وأخرى خارجه، وكأن الوظيفة العامة أصبحت امتيازاً خاصاً وليست مسؤولية وطنية.
هذه الظاهرة لا تمثل مجرد خلل إداري عابر، بل تكشف عن اختلال عميق في إدارة الموارد البشرية للدولة، وعن غياب واضح لمبدأ تكافؤ الفرص الذي يفترض أن يكون أساس الوظيفة العامة. فحين يحتكر شخص واحد وظيفتين أو ثلاثاً، فإن ذلك يعني عملياً حرمان شخصين أو ثلاثة من حقهم الطبيعي في العمل.
الأكثر إثارة للاستغراب هو التساؤل المشروع: كيف يمكن أداء كل هذه الوظائف بكفاءة حقيقية؟
كيف يمكن لمسؤول أن يدير عملاً داخل اليمن، بينما يشغل وظيفة أخرى خارجها؟ وهل هذه الوظائف تؤدى فعلاً أم أنها مجرد مسميات ورواتب؟
اقتصادياً، تمثل ازدواج الوظائف صورة من صور سوء توزيع الدخل والفرص، فهي لا تزيد الإنتاج ولا تحسن الخدمات، بل تؤدي إلى تضخم الإنفاق الحكومي دون مقابل حقيقي. وفي بلد يعاني من أزمة مالية مزمنة، يصبح من غير المقبول أن تُصرف مرتبات متعددة لشخص واحد بينما تعجز الدولة عن توفير وظائف جديدة.
أما سياسياً، فإن استمرار هذه الظاهرة يضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ويعزز الشعور بأن الوظيفة العامة تخضع للنفوذ والعلاقات الشخصية أكثر مما تخضع للقانون والكفاءة. وعندما يشعر الشباب أن فرص العمل لا توزع بعدالة، فإن ذلك يولد الإحباط ويقوض الانتماء الوطني ويزيد من الاحتقان الاجتماعي.
الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن مكافحة البطالة لا تبدأ فقط بإنشاء مشاريع جديدة، بل تبدأ أولاً بإصلاح الخلل في توزيع الوظائف القائمة. فمراجعة الوظائف الحكومية داخل الوطن وخارجه قد تكشف عن آلاف الفرص التي يمكن أن تُتاح للشباب إذا تم إنهاء ازدواج الوظائف.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد نقاش نظري، بل قرار إداري واضح يمنع الجمع بين أكثر من وظيفة حكومية، ويُلزم كل موظف بالتفرغ الكامل لعمله، مع إجراء مراجعة شاملة للوظائف والسفارات والملحقيات والهيئات الحكومية المختلفة.
فالوظيفة العامة ليست ملكاً شخصياً، ولا مورثاً عائلياً، ولا مكافأة سياسية، بل هي حق عام يجب أن يُدار بعدالة.
إن أخطر ما يهدد استقرار المجتمعات ليس الفقر وحده، بل الإحساس بالظلم في توزيع الفرص. وإذا أرادت الدولة معالجة البطالة بجدية، فإن أول خطوة حقيقية تبدأ من هنا:
إعادة توزيع الوظائف قبل المطالبة بخلق وظائف جديدة.
ولو تحقق ذلك، فلن يكون الأمر مجرد إصلاح إداري، بل خطوة حقيقية نحو العدالة الاقتصادية واستعادة ثقة الشباب في مستقبلهم.





