ميناء قنا في شبوة.. بين متطلبات الإصلاح وضرورة إعادة التشغيل

  • يشكل ميناء قنا أحد أبرز المشاريع الاقتصادية والتنموية الواعدة في محافظة شبوة، ليس فقط باعتباره منفذاً تجارياً مهماً، بل كونه مشروعاً استراتيجياً يمثل رافعة اقتصادية قادرة على الإسهام في تنشيط الحركة التجارية وتعزيز الإيرادات العامة وخلق بيئة جاذبة للاستثمار في واحدة من أهم المحافظات اليمنية الغنية بالثروات والمقومات الاقتصادية.

ومع تصاعد النقاش حول قرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (11)، تبرز الحاجة اليوم إلى قراءة القرار في إطاره الحقيقي، بعيداً عن أي تفسيرات تؤدي إلى تعطيل التنمية أو إيقاف المشاريع الحيوية بصورة دائمة. فالقرار – وفق ما يفهم من سياقه الإداري والمؤسسي – جاء بهدف الإصلاح الإداري وتنظيم الإيرادات وإعادة ترتيب آلية عمل المنافذ والموانئ بما يضمن خضوعها للقوانين واللوائح المنظمة لعمل الدولة، وليس بهدف إلغاء المشاريع الاقتصادية أو تعطيلها إلى ما لا نهاية.

وعليه نقول ان تحويل قرار الإغلاق المؤقت إلى حالة دائمة من التعطيل يمثل ضرراً مباشراً على الاقتصاد المحلي والوطني، ويبتعد عن الغاية الأساسية التي صدر من أجلها القرار، خصوصاً في ظل الحاجة الملحة اليوم إلى تحريك عجلة التنمية وتحفيز الاستثمار وتوسيع موارد الدولة الرسمية.

وكما انه لا يمكن تجاهل أن الأحداث السياسية والاقتصادية والعسكرية المتلاحقة خلال السنوات الماضية تسببت في إرباك المشهد العام، وربما شتّتت اهتمام الجميع، بما في ذلك مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، عن بعض الملفات التنموية المهمة. 
غير أن ذلك لا ينبغي أن يقود إلى تجميد المشاريع الاقتصادية الحيوية، لأن المرحلة الراهنة تتطلب العمل بالتوازي في المسارين السياسي والتنموي، باعتبار التنمية جزءاً أساسياً من معركة الاستقرار وبناء الدولة.

ويؤكد اقتصاديون ومختصون أن إعادة تشغيل ميناء قنا وفق الأنظمة واللوائح الرسمية سيمثل خطوة مهمة لدعم الاقتصاد الوطني والمحلي، وسيسهم في تعزيز الإيرادات الجمركية والرسمية، إضافة إلى توفير فرص عمل وتنشيط الحركة التجارية ودعم المشاريع الاستثمارية المختلفة، خصوصاً في القطاع الصناعي والخدماتي.

كما أن استمرار تشغيل الميناء بصورة قانونية ومؤسسية سيمنح المستثمرين رسائل إيجابية بأن محافظة شبوة تسير نحو بيئة مستقرة وآمنة للاستثمار، خاصة مع ما تشهده المحافظة من نهضة تنموية متسارعة في البنية التحتية والخدمات والمشاريع الاقتصادية.

ويطالب مختصون أيضاً بألا يقتصر الأمر على إعادة تشغيل الميناء فحسب، بل العمل على تطويره وتوسعة قدراته التشغيلية والخدمية، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي المهم على بحر العرب، وما تمثله شبوة من نقطة اتصال اقتصادية وتجارية واعدة.


وقد كشفت أزمة الملاحة الدولية والصراع المتصاعد في المضايق والممرات البحرية خلال الفترة الأخيرة عن أهمية وجود موانئ بديلة وآمنة قادرة على تعزيز حركة التجارة وتأمين خطوط الإمداد، وهو ما يمنح ميناء قنا أهمية استراتيجية إضافية تتجاوز البعد المحلي إلى البعد الإقليمي.

كما لا يقتصر البعد الاستراتيجي للميناء على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى بعد إقليمي وقومي بالغ الأهمية، في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة العربية وخطوط الملاحة الدولية.
فموقع ميناء قنا على بحر العرب يجعله قريباً من أهم المسارات البحرية المرتبطة بالتجارة الدولية والطاقة، الأمر الذي يمنحه فرصة لأن يكون جزءاً من منظومة الموانئ الداعمة لأمن الملاحة في الإقليم والمنطقة. 


كما أن تطوير الميناء وإعادته إلى العمل يسهم في تعزيز الحضور الاقتصادي والجيوسياسي لليمن ضمن محيطه العربي، ويمنح البلاد قدرة أكبر على الاستفادة من موقعها البحري الاستراتيجي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بأمن البحر الأحمر وخليج عدن والمضايق البحرية. 
وعليه يظهر جليا  أن امتلاك اليمن لموانئ فاعلة ومؤهلة على بحر العرب يمثل بعداً قومياً مهماً يخدم المصالح العربية المشتركة، عبر تنويع المنافذ البحرية وتعزيز أمن سلاسل الإمداد والتجارة الإقليمية.

ولذا يظهر جليا  ان التسلسل الإجرائي والقانوني الخاص بالميناء  مشروع تشغيل ميناء قنا لم يكن عملاً عشوائياً أو خارج إطار الدولة، بل جاء عبر سلسلة من الإجراءات الرسمية والتوجيهات الصادرة من أعلى مؤسسات الدولة.

ففي أغسطس 2016م، رفع محافظ شبوة وقائد محور عتق رسالة إلى فخامة رئيس الجمهورية للموافقة على استيراد احتياج المحافظة من المشتقات النفطية عبر مرسى المجدحة (قنا)، وهو ما قوبل بموافقة رئاسية تقضي بالسماح بالاستيراد عبر الميناء تحت إشراف السلطة المحلية ووزارة النقل وبالتنسيق مع الجهات الأمنية والعسكرية.

وفي يوليو 2017م، رفع محافظ شبوة رسالة جديدة إلى فخامة الرئيس بشأن استكمال الإجراءات الخاصة بتشغيل ميناء قنا، قبل أن يوجّه الرئيس في أغسطس من العام ذاته رئيس مجلس الوزراء بتكليف الجهات المختصة بسرعة البت في تشغيل الميناء.

وفي عام 2018م، صدر قرار مجلس الوزراء رقم (4) لعام 2018م بالموافقة الرسمية على إنشاء ميناء قنا التجاري بمحافظة شبوة، استناداً إلى عرض مقدم من وزير النقل، مع توجيه الجهات المعنية باستكمال الإجراءات اللازمة.

وفي يناير 2021م، قامت قيادة السلطة المحلية بمحافظة شبوة بافتتاح الميناء رسمياً، وسط تغطية إعلامية واسعة من القنوات الرسمية، في خطوة عكست انتقال المشروع من الإطار النظري إلى الواقع العملي.

كما عادت الأمانة العامة لمجلس الوزراء في أكتوبر 2024م للتأكيد على الوزراء والجهات المختصة بسرعة تنفيذ قرار مجلس الوزراء رقم (4) لعام 2018م، بما يعزز استمرار المسار القانوني للميناء.

وخلال الفترة بين مارس 2024م وأبريل 2025م، وجّه محافظ شبوة رسالتين إلى وزير المالية للمطالبة بإنشاء فرع لمصلحة الجمارك في المحافظة، نظراً لأهمية ذلك مع تشغيل ميناء قنا التجاري، بما يؤكد التوجه نحو العمل المؤسسي والتنظيم القانوني للإيرادات.

وفي فبراير ويوليو 2025م، وجّه وزير النقل رسالتين إلى الأمين العام لمجلس الوزراء ومساعده للمطالبة بعرض تقرير اللجنة المكلفة بإنشاء ميناء قنا في أقرب اجتماع لمجلس الوزراء، مرفقة بمحاضر اللجنة المختصة.

أما في نوفمبر 2025م، فقد بعث محافظ شبوة رسالة إلى رئيس الوزراء أكد فيها الالتزام بتنفيذ قرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (11)، مع التشديد على ضرورة العمل المؤسسي لاستكمال إجراءات تشغيل الميناء، والمطالبة بنزول الجهات المختصة لاستكمال الترتيبات القانونية والإدارية.

لذا  المطلوب اليوم ليس تجاوز مؤسسات الدولة أو العمل خارج القانون، بل إعادة تنظيم وتشغيل ميناء قنا ضمن الأطر القانونية والمؤسسية التي تحقق أهداف الإصلاح وتعزز موارد الدولة وتدعم التنمية.

فالموانئ تمثل شرايين اقتصادية لا غنى عنها، وتعطيلها بشكل دائم يحرم المحافظات والدولة من فرص تنموية واستثمارية كبيرة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل مشروع قادر على تحريك الاقتصاد وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى الخدمات.

ولهذا، فإن إعادة ميناء قنا إلى العمل، إلى جانب تطويره وتأهيله ليواكب المتغيرات الاقتصادية والإقليمية، لم تعد مجرد مطلب محلي، بل ضرورة اقتصادية وتنموية واستراتيجية وقومية تفرضها مصلحة شبوة واليمن والمنطقة العربية بشكل عام، خصوصاً مع تنامي الحاجة إلى بناء اقتصاد مستقر قائم على التنمية والاستثمار والعمل المؤسسي.