دعـوة إلـى تجـار المـدينة

  • بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، ورفع قدر العلماء، وجعل العلم نوراً يُهتدى به في ظلمات الجهل.

فـي المـدن التي تعرف معنى الوطن، لا يُقاس حضور رأس المال بحجم ما يضيفه إلى أرصدة أصحابه فحسب، بل بما يتركه من أثر في حياة الناس، وما يقدّمه للمجتمع من إسهام في البناء والاستقرار، وصناعة المستقبل.

وإن مـن أوجـب الحقوق، وأعظم القربات إلى الله، أن يُجعل المال قنطرةً للخير، لا سورًا حول الذات، وأن يكون العطاء شكرًا للنعمة، لا استعلاءً على الناس.

ومـن هـنا، فإن دعوتنا اليوم موجَّهة إلى تجار مـدينة عــدن، وأصحاب رؤوس الأموال والبيوت التجارية، وكل من جعل الله في يده سَعةً وقدرةً على العطاء؛ أن يجعلوا من دعم التعليم في المدارس الحكومية جزءًا أصيلًا من مسؤوليتهم الاجتماعية والوطنية، ومن برّهم بالوطن الذي حمى عرضهم، وأعزّ جنابهم، وأتاح لهم ساحة الرزق والأمن.

فـ المـدرسة الحكومية ليست مبنىً وجدرانًا ومقاعدَ، وإنما هي المصنع الأول الذي تتشكَّل فيه عقول أبنائنا، وتتكوَّن شخصياتهم، وتتحدَّد ملامح مستقبلهم.

وحـين تـضيق بها الإمكانات، وتتراجع قدرتها على أداء رسالتها، فإن الخاسر الحقيقي ليس المدرسة وحدها، وإنما جيل كامل، ومستقبل مدينة بأسرها.

والله يقـول في محكم كتابه: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}، فأي عملٍ أزكى عند الله من عملٍ يُنير عقل طفل، ويُخرج أمةً من ظلمات الجهل إلى نور العلم؟

إن دعـم المـدارس الحكـومية، بما تحتاجه من مستلزمات تعليمية، وتجهيزات، وصيانة، ووسائل تعليمية، وبيئة مدرسية لائقة، ليس تفضُّلًا من أحد على أحد، ولا مَنَّةً على الدولة أو المجتمع؛ بل هو استثمار مباشر في الإنسان، وأحد أنبل أشكال المسؤولية الاجتماعية لرأس المال الوطني، وواجبٌ شرعيٌ وخلقيٌّ، يدرأ عن المال آفة البخل، ويُكسيه بركة الإنفاق في مرضاة الله.

وتـزداد أهـمية هذا الدور في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها عـدن، عدن التي كانت منارة العلم والتجارة، ومهد المقاومة والصبر، ومصدر الإشعاع الحضاري في جنوب الجزيرة، حيث تحتاج المدرسة إلى من يساندها لتستمر العملية التعليمية دون انقطاع، ويستطيع المعلم أداء رسالته، ويجد الطالب البيئة التي تحفظ له حقه في التعليم، وتبعده عن الفراغ الذي قد يفتح أمامه أبوابًا لا تُحمَد عقباها.

فـ حـين نحـمي المدرسة، فإننا نحمي أبناءنا من الجهل والتسرُّب والانحراف، ونغلق في وجوههم أبوابًا قد تقود إلى المخدرات والجريمة والعنف والاستقطاب، ونفتح أمامهم بدلًا منها أبواب العلم والعمل والأمل.

وإن حـماية النـشء اليوم، هي حماية للوطن غدًا؛ لأن الطفل الذي يُزرع فيه حب العلم، يُثمر رجلًا يعرف حق وطنه، ويحمل رايته، ويدافع عن ترابه، ويبني مجده بعقله لا بغضبه.

ولـذلك، فـإننا لا ندعـو تجـار عـدن إلى دعم مدرسة بعينها فحسب، بل ندعو إلى مشروع مجتمعي واسع، تتكامل فيه جهود الدولة والقطاع الخاص ورجال المال والأعمال والمجتمع المدني، بحيث تتبنَّى البيوت التجارية والمؤسسات الاقتصادية مدارس حكومية، أو تسهم في تطوير مرافقها وتجهيزها، وفق آلية واضحة وشفافة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، فلا يُؤتى على المال بالنيّات وحدها، بل باليد الأمينة، والعين البصيرة.

ومـا أجـمل أن يكون لكل بيت تجاري في عدن أثرٌ معروف في مدرسة، ولكل مؤسسة اقتصادية بصمةٌ في تعليم طفل، ولكل رجل أعمال مشروعٌ صغير يترك أثرًا كبيرًا في مستقبل المدينة.

إنـها وصية التاريـخ، وصريح الدين، وعرفان الجميل للوطن: أن تترك خلفك جيلًا يقرأ، ويفكّر، ويبني، لا جيلًا ينتظر الغد دون أن يصنعه.

إن رأس الـمال الذي يساهـم في بناء مدرسة، أو تجهيز مختبر، أو توفير مقعد لطالب، لا ينفق ماله في فراغ؛ بل يضعه في أكثر الاستثمارات أمانًا وبقاءً: "الإنـسـان".

يـا تجـار عــدن، يا من آتاكم الله من فضله، ورفع قدركم في بلدكم، إن المدينة التي احتضنت تجارتكم، وحفظت لكم أسماءكم ومكانتكم، تستحق منكم اليوم أن تردّوا لها بعضًا من جميلها؛ وليس المطلوب المستحيل، ولا العطاء الذي يرهق صاحبه؛ وإنما المطلوب أن يشعر كل مقتدر بأن له مسؤولية تجاه هذه المدينة، وأن في مقدمة تلك المسؤولية حماية تعليم أبنائها وبناء مستقبلهم.

وتذكـروا قـول المصطفى ﷺ: "خيرُ الناس أنفعُهم للناس" ، وقوله: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته" ، وأي حاجة أعظم من حاجة طفلٍ يطلب العلم، ومعلمٍ يبذل الجهد، ووطنٍ ينتظر النهضة؟

فـ لنجـعل من مدارسنا الحكومية عنوانًا للشراكة الوطنية، ومن أموالنا جسورًا تعبر بأبنائنا من ضيق الحاضر إلى رحابة المستقبل.

عــدن اليوم تـنادي أبناءها، لا بصوت المدافع، بل بصوت الأطفال الذين يريدون مقعدًا في فصل، وكتابًا في يد، وأستاذًا يعلّمهم كيف يكونون رجالًا.

فـ التـجارة تبني ثروة، أما التعليم فيبني وطنًا؛ وأعظم ما يمكن أن يفعله رأس المال في زمن الأزمات أن يضع جزءًا من قوته في حماية الإنسان وصناعة الغد.

ومـا أجـمل أن يُكتب في سجل أعمال رجـل عـدن: "بنى مدرسة"، قبل أن يُكتب: "بنى قصرًا"، فالأولى تبقى في الذكر، والأخرى تفنى مع الأيام.

عــدن لا تحتاج اليوم إلى من يراقب أزماتها من بعيد، بل إلى من يمد يده ليكون جزءًا من الحـل ورفع المعاناة عنها.

فـ الله الله في عـدن، وفي أبنائها، وفي مستقبلها؛ فإن الله سائل كل ذي مال عن ماله، وكل ذي جاه عن جاهه، وكل ذي قدرة عن قدرته.

هـذه دعـوة إلى تجار المدينة… أن يكـون لهم في كل مدرسة أثر، وفي كل طالب أمل، وفي مستقبل عدن نصيب.

{وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ}

فسـعوا اليوم في بـناء الأبناء، تدركوا غـدًا بركة المال، ودوام العز، وبقاء الذكر، إن الله سميع الدعاء، عليم بالنيات، وهو خير من يُوفي الصادقين أجرهم.

د. هـاني بن محمد القاسمي
عـدن: 19. أغسطس. 2026م