عندما تتحول الدولة إلى شركات ولجان... من يحكم اليمن: الدستور أم الاجتهادات؟

  • لم يعد السؤال اليوم: لماذا تعثرت الدولة؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما زالت الدولة تُدار وفق الدستور والقانون، أم وفق قرارات إدارية تتجاوز فلسفة الدولة نفسها؟
    إن الدولة ليست مجموعة شركات، وليست تجمعًا لمؤسسات مستقلة تحتاج إلى وسطاء لربطها ببعضها البعض. الدولة كيان دستوري واحد، يقوم على توزيع واضح للاختصاصات، وتكامل وظيفي بين السلطات والمؤسسات، بحيث يؤدي كل جهاز مهامه ضمن حدود القانون، لا خارجها.
     

وعندما يصبح التنسيق بين الوزارات أزمة تستدعي إنشاء لجان وكيانات جديدة، فإن الخلل ليس في غياب تلك اللجان، وإنما في غياب الإدارة الرشيدة، وضعف الالتزام بالنظام المؤسسي الذي رسمه الدستور والقانون.

الترقيع الإداري.. وازدواجية الاختصاص:

والأكثر خطورة هو الاتجاه نحو إنشاء شركات أو كيانات تؤدي أعمالًا هي في الأصل من صميم اختصاص مؤسسات الدولة. فإذا كانت مهام المقاصة والمدفوعات الإلكترونية تدخل ضمن اختصاصات البنك المركزي، فما الأساس القانوني لإنشاء شركة مساهمة تتولى هذه المهام بينما يرأسها محافظ البنك المركزي نفسه، ويشغلها موظفو البنك ذاته؟
 

إن تغيير الغلاف القانوني للاختصاص لا يغير طبيعته. فالاختصاصات العامة لا تنتقل بمجرد قرار إداري إذا كان القانون قد أسندها إلى جهة محددة. وإذا كانت المشكلة في ضعف الأداء، فإن العلاج يكون بإصلاح المؤسسة وتمكين إداراتها، لا بإنشاء كيان موازٍ قد يؤدي إلى ازدواجية الاختصاص، وتشتيت المسؤولية، وزيادة الإنفاق العام.
 

إن أخطر ما تواجهه الدول ليس نقص الموارد، بل تضخم الهياكل الإدارية حتى تصبح الدولة نفسها عاجزة عن معرفة من يملك القرار ومن يتحمل المسؤولية. فكل شركة جديدة تعني مجلس إدارة جديدًا، ومكافآت جديدة، وموازنات جديدة، ووظائف جديدة، بينما تبقى المشكلات القديمة كما هي.
إن بناء الدولة لا يبدأ بتفريخ المؤسسات، وإنما باحترام القانون. ولا يبدأ بتوزيع المناصب، وإنما بتفعيل الأجهزة القائمة ومحاسبتها على النتائج.
 

وكان الأولى بالحكومة أن تضع مشروعًا وطنيًا شاملًا للتحول المؤسسي والرقمي، يبدأ من رئاسة الوزراء، ويقوم على إنشاء هيئة وطنية للحكومة الرقمية تكون المرجعية العليا لتكامل الخدمات والبيانات والأنظمة الحكومية، بدلًا من إنشاء كيانات متفرقة قد تعمق التجزئة المؤسسية بدلًا من معالجتها.
 

اليوم، لم يعد اليمن يحتمل مزيدًا من التجارب الإدارية أو الحلول المؤقتة. فالدولة التي تُدار بمنطق الترقيع لن تصل إلى الإصلاح، والدولة التي تتوسع في إنشاء اللجان والشركات بدلًا من إصلاح مؤسساتها، إنما تؤجل الأزمة ولا تعالجها.
إن احترام الدستور والقانون ليس رفاهية إدارية، بل هو الضمان الوحيد لبقاء الدولة وكل إصلاح يتجاوز هذا المبدأ، مهما حسنت نواياه، يبقى معرضًا لإنتاج مزيد من التعقيد، وإهدار المال العام، وإضعاف المؤسسات. 


لقد آن الأوان للانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة بناء الدولة؛ دولةٍ تُدار بالمؤسسات، لا بالأشخاص، وبالقانون، لا بالاجتهادات، وبخطة استراتيجية وطنية شاملة، لا بقرارات متفرقة تعالج الأعراض وتترك أصل الداء.

الخطة الاستراتيجية المقترحة للتحول الرقمي والمؤسسي

بدلاً من الحلول الجزئية والكيانات المتفرقة، يتطلب الخروج من هذه الدوامة تبني مشروع وطني شامل يستند إلى 4 محاور أساسية:

1- الإطار المؤسسي (الهيئة الوطنية للحكومة الرقمية):

التبعية: إنشاء هيئة موحدة تحت الإشراف المباشر لرئاسة الوزراء.
المهام: وضع السياسات المعيارية للتحول الرقمي، وإلزام كافة الوزارات بالتكامل البرمجي (Interoperability) وتوحيد بوابات الخدمات الحكومية.
الهدف: منع التشتت، وإلغاء الحاجة لشركة موازية لكل وزارة أو بنك.

2- التحرر من الهياكل الموازية وترشيد الإنفاق:

مراجعة وتصفية: حصر كافة اللجان المستحدثة والشركات الحكومية الموازية، وتحديد ما يمكن دمج أصوله وإدارته ضمن الهيكل الأصلي للمؤسسات.
إعادة التوجيه: تحويل الميزانيات التي تُنفق على مكافآت ومجالس إدارة الكيانات الجديدة نحو تدريب وبناء قدرات الكوادر الدائمة في مؤسسات الدولة.

3- الحوكمة والربط القانوني:

تحديث التشريعات: تعديل القوانين المنظمة للقطاعات المالية والإدارية لتستوعب المعاملات الرقمية والذكاء الاصطناعي دون الحاجة لتغيير النطاق القانوني للمؤسسات.
المساءلة بالأهداف: ربط بقاء المسؤولين والتمرير المالي لمؤسساتهم بمدى تحقيقها لمؤشرات الأداء الكلي (KPIs) ونسبة التحول الرقمي الفعلي داخل المؤسسة.

4- الأمن السيبراني وسيادة البيانات الوطنية:

المركز الوطني للبيانات: بناء سحابة حكومية موحدة (Government Cloud) لتخزين ومعالجة بيانات المواطنين والمعاملات المالية بدلاً من بعثرتها بين شركات متعددة.
السيادة الرقمية: ضمان حماية بيانات البنك المركزي والخدمات المالية والمدنية وفق أعلى معايير الحماية التابعة لأجهزة الدولة السيادية.


خلاصة:
إن معالجة الأعراض لا تداوي أصل الداء؛ وبناء اليمن الحديث يبدأ باحترام النص الدستوري، وتفعيل المؤسسات الأُم، وتوحيد جهود التحول الرقمي تحت مظلة استراتيجية واحدة تُعلي سيادة القانون وتلغي منطق "الشركات واللجان".