البنك المركزي اليمني.. معركة استعادة الدولة

  • في خضم حرب اقتصادية معقدة، وفوضى مصرفية تراكمت لسنوات، استطاع البنك المركزي اليمني في العاصمة عدن أن يفرض معادلة مختلفة عنوانها الانضباط والسيطرة واستعادة الثقة، بقيادة محافظ البنك المركزي أحمد غالب المعبقي، الذي قاد المؤسسة النقدية في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها البلاد.

ومنذ انتقال البنك المركزي إلى عدن، واجهت المؤسسة النقدية تحديات هائلة، ليس أقلها الانقسام المالي، وشح النقد، والتلاعب بأسعار الصرف، إضافة إلى حرب ممنهجة استهدفت الاقتصاد الوطني في المناطق المحررة عبر الإشاعات، والمضاربات، ومحاولات ضرب الثقة بالمؤسسات المالية الرسمية.

لكن ما تحقق خلال الفترة الأخيرة كشف بوضوح أن البنك المركزي لم يعد كما كان في سنوات الفوضى السابقة، حين كانت السوق المالية أشبه بـ"أرجوحة أطفال" تتأرجح صعوداً وهبوطاً وفق مصالح المضاربين والنافذين وشبكات الفساد التي استفادت طويلاً من غياب الرقابة وضعف التنظيم.

اليوم، تبدو الصورة مختلفة تماماً. فالبنك المركزي بقيادة أحمد بن غالب استطاع أن يفرض حالة من الحزم والانضباط، وأن يعيد تنظيم السوق المصرفية، ويضع آليات أكثر صرامة لتنظيم عمليات الاستيراد والتحويلات، بما عزز من قوة الاقتصاد الوطني في المناطق المحررة، وأغلق كثيراً من أبواب العبث والتلاعب.

ولا يخفى على أحد أن هذه الإجراءات أضرت بمصالح قوى انتهازية وشبكات فساد اعتادت الاستفادة من الفوضى النقدية، وهو ما يفسر حملات التشويه والاستهداف التي تطال البنك وقيادته بين الحين والآخر، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو عبر ترويج وثائق مزورة وإشاعات مضللة، في محاولة لصناعة رأي عام سلبي يزعزع الثقة بالمؤسسة النقدية.

والمثير للسخرية أن بعض من يقودون هذه الحملات لا يمتلكون الحد الأدنى من المعرفة الاقتصادية أو المصرفية، لكنهم يتحدثون وكأنهم خبراء ومتخصصون، مستغلين الانتشار السريع لمنصات التواصل الاجتماعي، بل وصل الأمر إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتزييف مستندات أو فبركة معلومات بهدف الإثارة والتأثير الإعلامي الرخيص.

غير أن هذه المحاولات لم تنجح في إرباك البنك المركزي أو التأثير على مساره، بل أثبتت القيادة المصرفية تماسكا لافتا، وقدرة على التعامل مع الأزمات بمرونة وذكاء، خصوصاً في ملف تثبيت سعر الصرف، ومعالجة إشكاليات شحة السيولة والنقد المحلي، وهي ملفات كانت تمثل تحدياً حقيقياً أمام أي إدارة مالية في ظروف الحرب والانقسام.

ولعل الأهم في هذا السياق هو تنامي ثقة المؤسسات المالية الإقليمية والدولية بالبنك المركزي اليمني، بعد أن لمس الجميع وجود قيادة تمتلك رؤية واضحة وإرادة حقيقية لإعادة بناء القطاع المصرفي وفق أسس مهنية وقانونية سليمة، رغم التعقيدات الاستثنائية التي تعيشها البلاد.

كما انعكس ذلك أيضاً على مستوى العلاقة مع البنوك وشركات الصرافة والمؤسسات المصرفية المحلية، التي وجدت نفسها أمام مؤسسة جادة تتعامل بحزم، لكنها في الوقت ذاته توفر بيئة أكثر استقراراً وتنظيماً، وتحمي السوق المالية من الانهيار والفوضى.

إن المعركة التي يخوضها البنك المركزي اليوم ليست مجرد معركة مالية، بل هي معركة سيادة واستعادة مؤسسات الدولة، لأن الاقتصاد يمثل العمود الفقري لأي دولة تسعى للبقاء والاستقرار.

ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي من الجميع التحلي بالوعي وعدم الانجرار خلف حملات التضليل والإشاعات، أو تحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى أدوات لهدم ما تبقى من مؤسسات الدولة، خدمة لأجندات سياسية أو مصالح ضيقة.

فالنقد البناء حق مشروع، لكن العبث بالرأي العام، أو الحديث في قضايا اقتصادية معقدة دون معرفة أو مسؤولية، لا يخدم سوى أعداء الاستقرار، ويمنح المضاربين والمتربصين فرصة لضرب الاقتصاد الوطني في لحظة شديدة الحساسية.

وفي ظل هذه التحديات، يواصل البنك المركزي اليمني بقيادة أحمد بن غالب معركته بثبات، واضعاً نصب عينيه هدفاً واضحاً يتمثل في حماية العملة الوطنية، وتعزيز الاستقرار النقدي، واستعادة هيبة الدولة المالية، مهما كانت حجم الضغوط والاستهدافات.