الإصلاح لا يبدأ من جيب المواطن… بل من قرار الدولة

  • كلما اشتدت الأزمة المالية، كان المواطن هو الحلقة الأضعف والأسهل استهدافًا. ترتفع الضرائب، وتزداد الرسوم، وتُخفض الخدمات، ويُطلب من الناس الصبر وتحمل المزيد من الأعباء، وكأن المواطن هو المسؤول عن تراكم سنوات من سوء الإدارة، والفساد، وضعف الرقابة، وإهدار المال العام.

لكن الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها هي أن الإصلاح الاقتصادي لا يبدأ من جيب المواطن، وإنما من إرادة الدولة في إصلاح نفسها أولًا.

لا يمكن لأي حكومة أن تتحدث عن الإصلاح بينما تتسرب الإيرادات العامة، وتُهدر الموارد، وتغيب المساءلة، وتبقى مؤسسات خارج نطاق الرقابة الفعلية. كما لا يمكن إقناع المواطن بقبول مزيد من التضحيات، في الوقت الذي لا يرى فيه إجراءات حقيقية لمكافحة الفساد أو ترشيد الإنفاق أو تحقيق العدالة في إدارة المال العام.

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإغلاق منافذ الفساد قبل فتح أبواب الرسوم الجديدة، ويبدأ بتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة قبل فرض أي أعباء إضافية على المواطنين، ويبدأ بإعادة هيكلة الإنفاق العام، وإعطاء الأولوية للتعليم والصحة والخدمات الأساسية، لا بالتوسع في النفقات غير الضرورية.

وفي اليمن، حيث يواجه المواطن واحدة من أصعب الأزمات الاقتصادية والمعيشية، فإن الاستمرار في تحميله تكلفة الاختلالات المالية لن يؤدي إلى إصلاح الاقتصاد، بل إلى تعميق الفقر، وتآكل الطبقة الوسطى، واتساع دائرة العوز والبطالة.

الدولة التي تبحث عن موارد جديدة مطالبة أولًا بحماية مواردها الحالية، واستعادة الأموال العامة، ومكافحة التهرب الضريبي والجمركي، وتعزيز الشفافية، وإخضاع جميع المؤسسات للرقابة دون استثناء. فهذه الإجراءات تحقق للدولة إيرادات أكبر وأكثر استدامة من أي زيادة في الرسوم أو الضرائب المفروضة على المواطنين.

المواطن ليس خزينة مفتوحة تُعالج بها أخطاء السياسات العامة، وليس المسؤول عن تراكم الاختلالات المالية والإدارية. بل هو شريك في بناء الدولة، ومن حقه أن يرى إدارة رشيدة، وعدالة في توزيع الأعباء، وخدمات عامة تليق بما يقدمه من التزامات.

إن الإصلاح الذي يبدأ من المواطن وحده ليس إصلاحًا، بل نقلٌ لتكلفة الفشل من مؤسسات الدولة إلى المجتمع. أما الإصلاح الذي يبدأ من الدولة، فيعني الشفافية، والمساءلة، وسيادة القانون، والإدارة الكفؤة، واحترام المال العام.

فالاقتصادات لا تُبنى بإفقار المواطنين، بل ببناء مؤسسات قوية، وحوكمة رشيدة، وقرارات شجاعة تضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من قرار الدولة... لا من جيب المواطن.

 

محاسب قانوني ومستشار في الحكومة والرقابة المؤسسية*