أنا والقلم
- القلم ليس أداة كتابة. هو سلطة رقابة تولد من رحم الوعي، ومطرقة حقيقة تهشم زجاج الزيف.
ما نكتبه ونحرره بأقلامنا الحرة ليس رأياً عابراً، ولا موقفاً شخصياً. هو وثيقة إدانة للفشل، ومحضر ضبط للفساد، وتشريح دقيق للعبث قبل أن يستحيل كارثة. نكتب بالوقائع لا بالظنون، ونحرر بالأرقام لا بالانفعال.
الكلمة الرصينة لا تصرخ، لكنها تخترق جدران الصمت التي يتحصن خلفها العجز. والقلم حين يستند إلى الوثيقة والرقم، يغدو أثقل من تيجان السلطة، وأمضى من مراسيم النفوذ. لا يستأذن أبواب القصور، ولا يطلب إذناً من مكاتب القرار. يلج مكامن الخلل، ويكشف أوكار العبث قبل أن تتحصن في هيئة سياسات.
الفاشل يرتعد من سطر موثق، لأن السطر الموثق شاهد لا يموت. والفاسد يختنق أمام تحليل حصيف، لأن التحليل الحصيف يجرّد الفساد من أردية التبرير. والعابث يتهاوى أمام تفكيك منطقي، لأن المنطق يفضح هشاشة البناء كله.
لولا غياب المساءلة، ما استوطن الفشل في مفاصل الدولة، ولا نخر الفساد في جسد المؤسسات، ولا تحولت الكراسي إلى إقطاعيات محمية بالصمت. لكن الأوطان لا تُبنى بالصمت، ولا تُحصن بالمجاملة.
التاريخ يدوّن ولا يجامل. الكراسي تزول وتبقى الكلمة الشاهدة. النفوذ يذوب ويبقى أثر ما نحرره. قد يتأخر الحساب في سجلات الدنيا، لكنه لا يسقط من ذاكرة الشعوب. وقد تُكمم المنابر، لكن صرير القلم يظل يوقظ النائمين.
القوة ليست في الشتيمة، بل في التفنيد الذي لا يُرد. وليست في الاتهام، بل في الإثبات الذي لا يُدحض. وليست في الضجيج، بل في التحليل الذي يفكك منظومة الفشل حجراً حجراً، ويهدم أوكار الفساد ركناً ركناً.
هذا هو القلم الذي يقلقهم: لا يلاحق الأشخاص، بل يزلزل البنية التي أنتجتهم. لا يستهدف الوجوه، بل يقتلع الجذور التي تحميهم.
سنكتب. لأن ما نحرره اليوم بأقلام حرة هو الذي يحاكمهم غداً. والقلم الذي يزلزلهم الآن هو الذي يحرس الأوطان.
احمد المريسي
كاتب وباحث




