السكرتير الخاص: سمسار الوزير المقنع

  • هذه حقيقة تحصل في وزارة خدمية والسكرتير الخاص المقصود يعرف نفسه حين تريد توقيع الوزير، لا تبحث عن الوزير. ابحث عن ظله. اسمه سكرتير خاص، ووظيفته حارس بوابة.

الطامة أن هذا الحارس لم تعينه الدولة، عينه الوزير من جيبه. من ثقته، من قرابته، من سمسار صفقاته القديمة. منصبه تكليف ثقة، فتحوله إلى تحصيل ثمن. هاتفه مفتوح للتجار، مغلق للفقراء. بابه موارب للعمولات، مقفول للمعاملات. هو ليس موظف دولة، هو موظف وزير. راتبه من خزينة الشعب، وولاؤه لجيب الوزير.

أنت لست سكرتيراً يا هدا، أنت كاتب عدل مزيف. تختم الورق لمن يدفع، وتضيع الورق لمن يسأل. ملف المريض عندك سلعة، معاملة الأرملة عندك صفقة، توقيع الوزير عندك مزاد سري. تبتسم للكاميرا خلف الوزير، وتقبض من تحت الطاولة أمام الوزير. تسمع "حاضر يا معاليه" في العلن، و"كم تدفع" في السر.

هكذا تحولت وظيفة تنظيم مواعيد إلى تنظيم فساد. والوزير شريك، لأنه يعرف ويسكت، ولأنه يوقع ما تمرره أنت. من يدفع يمر، ومن يملك حق يموت حقه في درجك. وتترسخ في الناس قناعة واحدة: الوزارة دكان، والسكرتير الخاص هو الكاشير.

الكرسي الذي تجلس عليه ليس غنيمة حرب، هو أمانة جدول. مهمتك ترتب، لا ترتب صفقات. توصل الورق، لا تبيع الورق. تفتح موعد، لا تفتح مزاد. فإن كان تنظيم ورقة يثقل كاهلك، فالأمانة تقتضي أن تترك القلم لمن يقدر، أو تترك الكرسي لمن يخدم.

ما تفعله ليس شطارة، إنه خيانة مقننة بوظيفة. والوزير الذي يحميك يتحمل وزر كل توقيع بعته وكل حق دفنته. كل يوم يمر ودرجك مقفل على ملفات الناس، يموت في الناس يقين أن الدولة للجميع، وأنت واقف تبيعها قطاعي.

افتح الدرج الآن. مرر الملفات الآن. اشتغل سكرتيراً لا سمساراً. فقد سئم الناس من انتظار توقيع الوزير، وسئموا أكثر من رؤية ختم الوزير في جيبك كأنه ورثته عن أبيك. الدولة لا تُدار بالمظاريف المغلقة، تُدار بالملفات المفتوحة، ومن لا يقدر على فتح الملف فليس له أن يغلق عليه.

وهذه رسالة لك لعلك تفهمها، وإن لم تفهمها سنذكرك بالرسالة القادمة بالرقم والتاريخ. اعمل بوظيفتك اليوم قبل أن يجيء يوم يسحبك الناس من كرسيك، وتخرج من المكتب الذي دخلته متسللاً، بلا توقيع ولا احترام. وقتها لن ينفعك الوزير ولن يحميك هاتفه، وستعرف أن كل الأظرف التي جمعتها لا تساوي ثمن كرامتك حين تسقط. أقلامنا ليست للتنسيق، هي سكاكين جراحة، فاختر: إما تنظف يدك، أو نقطعها لك.

*أحمد المريسي*  
*كاتب سياسي*