المدير العام لـ"عدن فلاي" في حوار خاص: الاستقرار شجع القطيبي للاستثمار.. ونطالب بإصلاحات جذرية لخفض التذاكر
في خطوة تعيد لعدن مكانتها كمركز إقليمي للنقل الجوي، أعلنت شركة "طيران عدن" عن انطلاق عملياتها...
- الشرجبي: لا وجود لاختلاط مباشر بين مياه الشرب والمجاري إلا في حالات محددة.. والغيضة بحاجة لاستئناف مشروع المعالجة المتكامل.. والتسرب النفطي في عزان أولوية بيئية لا تقبل التأجيل
- الوزارة تعمل على تحديث البنية التحتية للمياه والصرف الصحي وتحسين الإدارة البيئية في المحافظات المحررة وفق تقييم علمي للمخاطر والكثافة السكانية

- في ظل التحديات المتفاقمة التي تواجه قطاعي المياه والبيئة في اليمن، تتصدر قضايا شح المياه، وطفح المجاري، وتدهور شبكات الصرف الصحي، والتلوث البيئي، قائمة الأولويات التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، خصوصاً في المحافظات الحضرية والساحلية التي تشهد نمواً سكانياً متسارعاً وضغطاً متزايداً على البنية التحتية والخدمات الأساسية.
وفي هذا السياق، أجرت "التنمية برس" لقاءً صحفياً خاصاً مع وزير المياه والبيئة في اليمن المهندس/ توفيق عبدالواحد الشرجبي، للوقوف أمام أبرز الملفات الساخنة المتعلقة بقطاع المياه والصرف الصحي، من عدن إلى المهرة وتعز ومأرب وشبوة، إضافة إلى قضايا البيئة البحرية والتسربات النفطية والتحديات المناخية التي تواجه البلاد.
الوزير الشرجبي كشف خلال هذا اللقاء عن جملة من الحقائق الفنية والإدارية، موضحاً أسباب الأزمات القائمة، ومسارات المعالجات الجارية، ومستقبل المشاريع الاستراتيجية التي تعول عليها الحكومة في إنهاء أزمات مزمنة، وفي مقدمتها مشروع تحلية مياه البحر من المخا في محافظة تعز، ومشاريع محطات المعالجة في الغيضة بمحافظة المهرة، وتحديث شبكات الصرف الصحي في المدن الشرقية، وفيما يلي نص اللقاء:
التنمية برس: يُقال إن مياه المجاري تتسرب إلى شبكة المياه العامة في حي عبدالقوي بعدن.. كيف تفسرون ذلك؟ وما الإجراءات العاجلة لفصل الشبكتين بشكل دائم؟
الوزير توفيق الشرجبي: من الناحية الفنية، خطوط مياه الشرب تكون قريبة من سطح الأرض، بينما خطوط الصرف الصحي تقع في أعماق أكبر، وبالتالي فإن اختلاط المياه بالمجاري بشكل مباشر يُعد أمراً مستحيلاً إلا في حالة واحدة فقط، وهي قيام بعض المواطنين بحفر بيارات مخالفة فوق خطوط المياه.
وأي بلاغ يصلنا بشأن احتمال اختلاط مياه الصرف بمياه الشرب يتم التعامل معه فوراً ودون أي تأخير، من خلال فرق الطوارئ المختصة. وحتى هذه اللحظة، لم نتسلم أي بلاغ رسمي بهذا الشأن، وأرقام الطوارئ متاحة للجميع لضمان التدخل العاجل وإصلاح أي خلل فوراً.
التنمية برس: عدن تعاني من طفح المجاري وانهياراً شبه كامل لمنظومة الصرف الصحي..إلى أين وصلت أعمال إعادة التأهيل؟
الوزير: ما حدث في منطقة الشيخ عثمان منذ منتصف فبراير كان نتيجة توقف المضخات في محطة عمر المختار، وهي المحطة التي تستقبل مياه الصرف من الشيخ عثمان ودار سعد والقاهرة. الفرق الفنية تحركت سريعاً وتمت صيانة وتشغيل مضختين عموديتين قديمتين لإعادة الخدمة بشكل عاجل، نظراً لعدم توفر مضخات مماثلة في السوق.
يجب التوضيح أن شبكة الصرف الصحي ليست مخصصة لاستيعاب مياه الأمطار، كما أن هناك استخدامات خاطئة من بعض المنشآت كالمطاعم والمسالخ ومحطات الغسيل للسيارات والمختبرات، ما يضاعف الضغط على الشبكة.
ولا يمكن وصف ذلك بانهيار كامل للمنظومة، لأن الانهيار يعني غرق جميع مديريات عدن بالمجاري، وهذا غير حاصل. المنظومة ما تزال تعمل، رغم التحديات الكبيرة وضخ آلاف الأمتار من المياه العادمة يومياً.
التنمية برس: ماذا عن مشكلة الصرف الصحي في الحسوة وطريق البريقة والتلوث الذي وصل إلى البحر؟
الوزير: معظم محطات ومضخات الصرف الصحي الحالية تعود إلى مشروع ياباني نُفذ عام 1983، وهي اليوم تعمل فوق طاقتها نتيجة التوسع العمراني الكبير. في محطة المنصورة مثلاً، تعرض خط الضخ الرئيسي لكسر مفاجئ على عمق أربعة أمتار، ما أدى إلى توقف مؤقت للمضخات.
لكن فرقنا الفنية تمكنت من إصلاح الخلل سريعاً وإعادة تشغيل المضخات القديمة، مع الحرص على استمرار الخدمة وتقليل آثار التلوث البيئي والبحري.
التنمية برس: الغيضة تعوم على بحيرة مجاري تهدد المنازل.. أين وصل مشروع الحل الجذري؟
الوزير: محافظة المهرة، ومدينة الغيضة تحديداً، تحظى باهتمام بالغ من الوزارة بسبب النمو السكاني المتسارع الناتج عن الهجرة الداخلية، وما ترتب عليه من ضغط كبير على خدمات المياه والصرف الصحي.
منذ عام 2014 أُعدت دراسات فنية وبيئية متكاملة لإنشاء شبكة صرف صحي حديثة ومحطة معالجة، وتم تأمين التمويل بمنحة من سلطنة عُمان عبر الصندوق العربي للإنماء، وبدأ التنفيذ بالفعل، لكن المشروع تعثر لاحقاً بسبب اعتراضات مجتمعية رغم استيفائه لجميع الاشتراطات الفنية والبيئية.
حالياً نعمل على تحديث الدراسات الفنية بما يستوعب التوسع العمراني والتغيرات المناخية، خصوصاً الأعاصير والأمطار الغزيرة، ونسعى بالتوازي لتأمين التمويل بالتعاون مع شركائنا الدوليين وفي مقدمتهم البنك الدولي.
أما الحلول العاجلة، فقد تم تفعيل برامج الطوارئ، ونشر فرق التدخل السريع، وتوفير شاحنات شفط ومضخات متنقلة، إلى جانب دعم تشغيل الآبار بالطاقة الشمسية وتأهيل بعض شبكات المياه.
ولكننا نؤكد أن الحل الجذري يظل مرهوناً باستئناف مشروع محطة المعالجة وشبكة الصرف الصحي بشكل متكامل.
التنمية برس: في قشن بمحافظة المهرة، هناك مشاريع آبار وخزانات تعمل بالطاقة الشمسية.. كيف تقيمون جدواها؟
الوزير: مدينة قشن بالمهرة عانت تاريخياً من أزمة مياه معقدة. المشروع القديم الذي نُفذ في الثمانينيات توقف مطلع التسعينيات، ما اضطر السكان للاعتماد على آبار سطحية مالحة بجوار المنازل، وهو ما شكل خطراً صحياً كبيراً.
في عام 2020 تم حفر ثلاثة آبار جديدة في وادي غبوري وإنشاء شبكة جديدة بالتنسيق مع الوزارة وبتمويل من المانحين، إلا أن الحاجة ما تزال قائمة لزيادة عدد الآبار.
بعد إعصار تيج، شرعنا في تنفيذ مشروع منظومة ضخ بالطاقة الشمسية لعدد من الآبار، بدعم من البنك الدولي عبر مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع (UNOPS)، وقد ساهم المشروع في ضمان استمرارية الضخ وتقليل الاعتماد على الديزل وخفض التكاليف التشغيلية.
كما نعمل حالياً على توريد مولدات كهربائية إضافية، ونبحث عن تمويل لحفر آبار جديدة، إضافة إلى دراسة مشاريع تحلية مياه البحر مستقبلاً في المدن الساحلية.
التنمية برس: صرحتم سابقاً أن تعز مدينة منكوبة مائياً.. هل مشروع تحلية المخا هو الحل الحقيقي؟
الوزير: نعم، مشروع تحلية مياه البحر من المخا يمثل الحل الاستراتيجي الوحيد والمخرج النهائي لإنقاذ مدينة تعز، التي أُعلنت رسمياً مدينة منكوبة مائياً.
الدراسات تؤكد أن حصة الفرد من المياه انخفضت من 48 لتراً يومياً عام 2007 إلى 23 لتراً فقط في 2014، واليوم الوضع أكثر صعوبة، في ظل تراجع الأحواض المائية بمعدل 3 إلى 5 أمتار سنوياً.
المشروع توقف بسبب ظروف الحرب والانقلاب الحوثي، وليس بسبب خلل في التخطيط أو التمويل. فقد كانت الحكومة قد حصلت على موافقة الصندوق السعودي للتنمية لتمويل المشروع بإجمالي 280 مليون دولار.
المكونات الفنية جاهزة وتشمل خطوط أنابيب بطول 98.5 كيلومتر، وثلاث محطات ضخ رئيسية، وخزانات استراتيجية ومرافق خدمية متكاملة.
بمجرد استعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي، سيكون هذا المشروع على رأس أولويات الوزارة لإنهاء مأساة العطش في تعز.
التنمية برس: ماذا عن ارتفاع أسعار المياه وطوابير المواطنين في تعز؟
الوزير: تعز تعيش وضعاً مائياً وإنسانياً بالغ الصعوبة، نتيجة النمو السكاني وعودة النازحين والتوسع العمراني، إضافة إلى فقدان المؤسسة المحلية للمياه نحو 80% من قدرتها الإنتاجية بسبب الحرب.
أما ارتفاع الأسعار، فهو مرتبط بسوق العرض والطلب، لأن المؤسسة لا تتحكم في أسعار المياه المباعة عبر الآبار الخاصة أو الصهاريج، بينما التعرفة الرسمية لمياه المؤسسة ما تزال ثابتة تقريباً رغم ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة.
التنمية برس: كيف تحدد الوزارة أولوياتها البيئية في المحافظات المحررة؟
الوزير: نعتمد على منهجية علمية واضحة تقوم على تقييم شامل للمخاطر البيئية، من خلال المسوحات الميدانية وتحليل مؤشرات المياه والتربة والهواء والتنوع الحيوي، ورصد مصادر التلوث المختلفة.
نعمل حالياً على إعداد التقرير الوطني لحالة البيئة في اليمن لعام 2026، والذي سيكون مرجعاً رئيسياً لتحديد الأولويات ووضع السياسات البيئية اللازمة.
الأولوية تُمنح للمناطق ذات الكثافة السكانية العالية، والمناطق المعرضة لمخاطر بيئية وصحية مباشرة، إضافة إلى المناطق المتأثرة بالتغيرات المناخية مثل الجفاف والسيول وارتفاع مستوى سطح البحر.
التنمية برس: ماذا عن التسرب النفطي في مديرية عزان بشبوة؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
الوزير: هذا الملف يمثل أولوية بيئية وصحية قصوى، لأنه يمس التربة والمياه الجوفية وصحة المواطنين. التسرب في مدينة عزان مرتبط بخط الأنابيب الممتد من قطاع العقلة إلى ميناء النشيمة، وهو خط قديم تعرض للتآكل وضعف الصيانة.
الشركة المشغلة، وهي شركة الاستثمارات النفطية والمعدنية (وايكوم) تتحمل المسؤولية الكاملة وفق مبدأ "الملوث يدفع"، بما يشمل إصلاح الخط ومعالجة التربة الملوثة وإعادة التأهيل البيئي. وخطة المعالجة تشمل إزالة التربة شديدة التلوث، والمعالجة الحيوية، وإنشاء آبار مراقبة للمياه الجوفية، وبرامج رصد بيئي طويلة الأمد لضمان عدم تكرار المشكلة.
التنمية برس: هناك مخاوف من طحن الأسماك والجرف العشوائي للشعاب المرجانية.. كيف تتعاملون مع هذه القضية؟
الوزير: هذه الممارسات تشكل تهديداً حقيقياً للبيئة البحرية والتنوع البيولوجي والمخزون السمكي. وزارة المياه والبيئة والهيئة العامة لحماية البيئة تعتبرها من القضايا ذات الأولوية القصوى.
نعمل بالتنسيق مع وزارة الزراعة والثروة السمكية، وخفر السواحل، والمنافذ الجمركية، لمنع دخول الشباك المخالفة ومراقبة عمليات الصيد ومنع استخدام المعدات المدمرة للشعاب المرجانية.
كما تم خلال عام 2024 إيقاف بعض المصانع المخالفة مؤقتاً لمراجعة أوضاعها، مع تعزيز الرقابة على منع طحن الأسماك الصغيرة وغير مكتملة النمو، حفاظاً على الأمن الغذائي واستدامة الثروة البحرية.
“وفي ختام هذا اللقاء الصحفي الذي يضع النقاط على الحروف ويكشف بوضوح حجم التحديات المعقدة التي تواجه قطاع المياه والبيئة في اليمن، بين أزمات متراكمة في البنية التحتية، وضغوط التوسع السكاني، وتداعيات الحرب، وتغيرات المناخ، وتراجع التمويل الدولي للمشاريع الاستراتيجية.”لكن في المقابل، تؤكد وزارة المياه والبيئة أن المعالجات ليست غائبة، بل تسير ضمن خطط متدرجة تجمع بين التدخلات الطارئة والحلول المستدامة، مع التركيز على المشاريع الكبرى التي يمكن أن تُحدث تحولاً جذرياً في مستقبل الخدمات الأساسية.
ويبقى الرهان الحقيقي، كما يشير الوزير م. توفيق الشرجبي، على استعادة الاستقرار، وتعزيز الشراكات الدولية، وتحويل الدراسات والمخططات إلى مشاريع قائمة على الأرض، بما يحفظ حق المواطنين في المياه النظيفة، والبيئة الآمنة، والتنمية المستدامة، وفي الأخير يبقى نجاح هذه الجهود مرهوناً بتكامل الأدوار بين الحكومة والسلطات المحلية والشركاء الدوليين، إلى جانب وعي المجتمع بأهمية حماية الموارد المائية والبيئية باعتبارها قضية أمن قومي وتنموي لا تحتمل التأجيل.
